آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:17 ص

السيدة الطاهرة (ع) تجليات العفة والصبر

من أبرز الطرق التربوية تقديم تلك النماذج الرائعة التي امتازت بالرشد والنضج الفكري ففاضت بالمنطق الحكيم من جهة، وبما برز من مواقف رائعة تشكل أوج الكرامة والتألق الإنساني الذي يحيا بإرادة قوية وهمة عالية يخوض بها غمار العمل في الحياة من جهة أخرى.

ومن تلك النماذج التي يحتذي بها كل الأجيال من رجال ونساء ممن يبتغون الكمال الروحي والنفسي هي السيدة خديجة بنت خويلد ، فهي سليلة الأمجاد والطهارة والشهامة والشجاعة والكرم، وسيرتها المعطاءة لم تكن إلا تجسيدا للفضائل بأعلى درجاتها التكاملية، ومن الإجحاف والخسارة التي لا تعوض ألا تعرض سيرة هذه المرأة العظيمة بأبهى الصور وأروع الأساليب؛ ليقف الجيل المؤمن الرسالي على تلك القيم التربوية العالية مكللة بتطبيقات تسلط الأضواء على مواقفها الرائعة، فهي تشكل لوحدها نموذجا يرفع من معنويات الشباب والفتيات ويقدمهم لميادين الحياة والعلاقات الأسرية والاجتماعية مدعمين بسيرة ينهلون منها ما يقوي شخصياتهم.

لم تكن تلك المكانة العالية التي حظيت بها السيدة الطاهرة خديجة بنت خويلد نتيجة مجاملة أو مجازفة في الأحكام وفي رص الألقاب بلا وجود رصيد واقعي يدعمه، بل كانت بشهادة جميع من تعامل معها وتوثق من سيرتها أن وجدها مثال الرقي الأخلاقي والحس الإنساني والرشد الفكري، كما يتجلى ذلك في كل مواقفها الخالدة المعنونة لها بالعظمة والجلالة، فمقام أم المؤمنين، وخصوصية السلام من الباري عليها، والبشارة بمقامها في الجنة قبل أن ترحل من دنيانا، كلها مقامات عالية لم تنلها بوجه اعتباطي، بل تلك المقامات الرفيعة تنبيء عن مواقف كمالية وفضائل متجسدة على أرض الواقع، فأي عظمة كانت عليها تلك الصديقة التي ما برحت تنضح بالحكمة واليقين والمعرفة الحقة؛ لتتشكل تلك المنظومة النورانية في كينونتها فتثمر كل معالم العطاء بأعلى درجاته، وتتجلى في مسيرتها الغراء آية الصبر والتحمل في أصعب الظروف التي تهد الجبال، ولكنها آثرت ما عند الله تعالى من المقامات العالية فأظهرت التجلد الذي كان من أهم الدعامات التي أرسيت عليها قواعد الإسلام والدعوة المحمدية، فأثابها الله تعالى أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة على ما أبلته من بلاء حسن وعلى إخلاصها في العمل مبتغية وجه الجليل، وعلى ما أبرزته في سيرتها من معالم الاقتداء بها من إيثار واستقامة في العمل.

السيدة خديجة بنت خويلد نجم تلألأ بأنوار العفة والحكمة والإيمان والحب الفياض والشجاعة في الذوذ عن رسول الله ﷺ، فكانت سيدة عالية القدر لا تضاهى في سماء الكمال والخشية من الله تعالى.

ولنعش مع مواقف سيدة العفاف والطهر في أوائل الدعوة الإسلامية والتي امتازت بالصعوبة والمشقة، فرسول الله ﷺ يواجه عدة جبهات ضارية، فمن جهة هناك زعماء قريش الذين امتازوا بالعناد والبطش والغلظة والمناوأة القصوى لانتشار الإسلام، ومن جهة أخرى كانت غشاوة الجهل وتقليد الآباء وتغلغل الموبقات والفواحش والعادات الجاهلية القبيحة في النفوس، مما كان يرهق رسول الله ﷺ ويتعبه دون أن يضعف قواه وهمته العالية في الدعوة وإرشاد الناس، ولكن الله تعالى آزره بمن يخفف عنه تلك الأعباء ويزيل همه ويعينه في خط الرسالة ألا وهي السيدة خديجة ، فهذه المرأة جمعت آيات رجاحة العقل والأدب ورقة المشاعر بما جعله يتخطى هذه الصعوبات بل وتكلل دعوته بإنجاح المطالب ودخول الناس جماعات تلو الجماعات.

ومن تلك المقامات العالية لها أن كانت أول المؤمنات بالدين الإسلامي الحنيف، وهذه المسارعة للتصديق بآيات الله عز وجل تعطي مؤشرا على تمتعها بالرشد الفكري الذي يستمع القول فيتبع أحسنه، وعلى حالة النقاء القلبي واليقظة الروحية والتي تخلو من أي مكايرة أو معاندة أو أنفة على الخضوع والتسليم للمنطق الحكيم والبرهان الساطع الذي جاء به الرسول الأكرم ﷺ، وأما من تمكن منه الجهل وتغلغل في نفسه لم يستطع الاستنارة بوجه الحق وظل عاكفا على عبادة الأوثان والإعراض عن الحق.

ومن المقامات العالية للسيدة خديجة صفة العطاء بأجلى صوره ألا وهو الإيثار والبذل في سبيل الدعوة الإسلامية، لقد آثرت الآخرة فأظهرت معدنها الأصيل الذي يأبى الخضوع لحب الدنيا وجمع الأموال وكنزها، وأنفقت كل أموالها وقد وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ لتعينه في الإنفاق على الترويج للدعوة ومساعدة من يدخلون الإسلام حديثا، ولم يدر بخلدها أبدا ما كانت تتمتع به سابقا من حياة الرخاء والرغد بل رأت في العطاء سر سعادتها وهنائها.