آخر تحديث: 5 / 6 / 2020م - 5:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نحو تنسيق عربي في مواجهة «كورونا»

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

حفلت أخبار هذا الأسبوع، بأنباء تبعث على التفاؤل، بإمكانية هزيمة كورونا في المستقبل القريب. فهناك تصريحات لوزير الصحة الفرنسي، بتوصل الأطباء في بلاده إلى علاج للوباء، يتكفل بعدم بلوغ المصاب به حالة الاستعصاء على العلاج. وأنه مع توافر هذا العلاج لا يعود كورونا وباء مميتاً. من جهة أخرى، أعلنت الصين وألمانيا، عن توصلهما إلى إنتاج لقاح ضد الوباء.. والأهم في الأمر، هو ما أعلنه الرئيس الأمريكي ترامب، في مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة الماضي، من أن بلاده قد صنعت المصل المضاد للوباء، وأن مليون عبوة من هذا المصل، سيجري توزيعها على الأمريكيين خلال أيام.

ما نخلص له من هذه المقدمة، أن البشرية، ستتجاوز محنة الوباء، قريباً. لكن الوباء سيعيش معنا عدة أشهر، قبل أن يكون العلاج متوفراً بكميات كبيرة وكافية لتغطية الحاجة له. وإلى أن تتحقق هزيمته، فمن المتوقع، أن يحصد المزيد من الأرواح، وملايين أخرى من المصابين.

وخلال هذه الفترة، كما في الأشهر القليلة القادمة، سيستمر الخوف والهلع والترقب لدى البشر، كما سيستمر إلى حد كبير تعطل مصالح الناس، وسيواصل الاقتصاد العالمي، عطلته الطويلة، وتغيب فرصة التنمية والبناء.

وليس من شك، أن انتصار البشرية على هذا الوباء، هو انتصار الحياة على الموت. لكن الخشية الأكبر، هي في التداعيات التي يخلفها على العالم. فالمشهد الاقتصادي العالمي، يبدو كالحاً وكئيباً ومرعباً. وما يضاعف من حالة التشاؤم هو غياب أية استراتيجية أممية لمواجهة تلك التداعيات.

لقد بدأت مؤشرات صراع كوني، وتراشق بالكلام، ومطالبات بالمحاسبة، وتلويح بالحروب. وما يقترب من المواجهة بين الأساطيل العسكرية. فالصين تقدم على طرد مدمرة أمريكية، قرب مياهها الإقليمية. وروسيا تعلن أنها سوف تستخدم السلاح النووي، في مواجهة أي أسطول بحري يقترب من أراضيها حاملاً أسلحة تكتيكية نووية.

وهكذا ففي الوقت الذي يتوقع فيه، أن تتجه الدول الكبرى، لمعالجة نتائج هذا الوباء، فإنها تعود لاستخدام لغة الحرب. المعضلة في الوباء، الذي تحول إلى حرب عالمية ضد البشر، أنه لن ينتهي بمهزومين ومنتصرين. فالكل خاسر مع أن المؤشرات تشي بأن الشرق، هو الأقل تضرراً من نتائجه. فهل سيستكمل بالحروب ما دمره الوباء وما ألحقه من أضرار في نفوس وأرواح البشر.

البشرية بحاجة إلى استلهام دروس الماضي. فالعودة إلى أحداث الحرب العالمية الأولى، تؤكد أن تداعياتها كانت أخطر بكثير على البشرية، من تلك التي جرت في ميادين القتال. فقد جثمت نتائجها السياسية على البشرية، حتى يومنا هذا. وكان للوطن العربي، من تداعياتها الخطيرة حصة الأسد. يكفي في هذا السياق، أن نشير إلى تقسيم الوطن العربي، وزرع كيان استيطاني غريب في القلب منه.

الحرب الكونية الأولى، يصدق عليها مقولة، إنها حرب لم تكتمل. وإنها قادت إلى الكساد الاقتصادي الرهيب، الذي تسبب في مجاعات كبرى، ضحاياها أضعاف ضحايا الحرب. وكانت الحرب العالمية الثانية، هي استكمال للحرب الأولى. الفارق بين تداعيات الحربين، هو أن مشروع مارشال لإعمار ما خلفته الحرب العالمية الثانية، قد شغل الماكينة الاقتصادية الأوروبية، وأبرز الولايات المتحدة الأمريكية قوة اقتصادية متفردة على العالم. وكان من نتائج ذلك أيضاً بروز الثنائية القطبية، وتأسيس أحلاف عسكرية مثل «الناتو» و«وارسو».

والأبرز هو إدراك الفرنسيين والألمان، أن الخيار بينهم، لا ينبغي أن يكون الحرب، بل التنسيق والتكامل، والشراكة، في الحديد والصلب، عصب كل الحروب المحتملة. وكان هذا التنسيق هو الخطوة الأولى نحو تأسيس السوق الأوروبية المشتركة، ولاحقاً الاتحاد الأوروبي.

نحن في هذا الجزء من العالم، نعيش مرحلة صعبة. وقادة الدول العربية مدعوون لاستلهام التجربة الأوروبية،. نحن بحاجة إلى أن نجعل من الاقتصاد بوصلة، تحكم سياساتنا وليس العكس. لأن الاقتصاد اتجاه للمستقبل، وفيه منافع الناس، أما السياسة فهي ماضوية بطبعها، وهي استعادة لصراع داحس والغبراء، وتسعير للنزعات. فهل سنكون على مستوى تحدي هذه اللحظة المصيرية.