آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:31 ص

النفس المتزنة

في ظل زحام الحياة ومشاغلها ومشهد العلاقات المتنوعة يعلو النفس الإرهاق والتعب بسبب تلك المسئوليات ومتابعتها، وبلا شك أنها تحتاج إلى ما يجدد حيويتها ونشاطها من خلال تزويدها بالطاقة، وهذا أشبه ما يكون بإعادة بناء وترميم ما تم ثلمه، فعلى مستوى علاقتنا بالله تعالى ينهدم شيء من الخشية من الله تعالى واليقظة الروحية والأنس بذكره سبحانه، من خلال غلبة الالتصاق بهموم المعيشة، ومن جهة أخرى فإن نزغات الشيطان وتسويلات النفس وأهواءها تنزع عن المرء ملكة التقوى شيئا فشيئا حتى تكشف عورته المعنوية، وإعادة ترميمها يتمثل في محاسبة النفس والإقبال على محراب العبادة والمناجاة الذي يزود النفس بطاقة روحية تقويها وتعيد لها ألقها.

من معاول الهدم للنفس والصارف لها عن ميدان العمل المثابر، هو انشغال التفكير «بطريقة سلبية» بما يخبىء المستقبل لنا من أحداث ومفاجآت، فهذا الشعور بالقلق النفسي يضعف الاتزان الفكري ويصيبه بترهل التشاؤم والنظرة السوداوية متى ما شاهد الصعوبات والمحن من حوله، كما أن الأزمات التي يمر بها تضعف ثقته بنفسه وبقدراته على تجاوز الصعوبات، وهذا ما ينعكس سلبا على ثقته بتجاوز الذنب الذي ارتكبه أو الإساءة والخطأ الذي يجنيه في حق الآخرين، فالتوبة وتصحيح الأخطاء يكشف عن نفس قوية لم ينهدم منها شيء بسبب الخطايا، ويمتلك هذا الإنسان ثقة وأملا بتجاوز هذه العثرة لينهض مجددا.

ومن تلك المعاول الهدامة للنفس هو الشعور بالعجز والكسل والقصور عن اغتنام الأوقات والقدرة على إتيان الصالحات فعل المعروف والتعامل الحسن مع الغير، ولا يبدد تلك الأحاسيس الوهمية إلا النظر إلى هذه الدنيا كميدان عمل يثبت فيه وجوده، فيبدأ في إعداد برنامج عملي يضع فيه جوانب العمل والواجبات المستحقة، ومن ثم ينطلق بكل جد واجتهاد لاكتساب الكمالات والمكارم، فتلك الأفكار السلبية تشله حركته وسعيه نحو الصالحات.

محاسبة النفس وقراءة واقعنا وعملنا هو عملية البناء المتجدد الذي يأخذ بأيدينا نحو معالجة وإصلاح ما تهدم، والبعض - وللأسف - يغفل عن أهمية الخلوة مع النفس والأخذ بالتفكير الهاديء بعيدا عن صخب الحياة، فإن غيوم الضعف والفكر الظلامي تتبدد تحت ضوء ومضات المراقبة والهمة العالية للتغيير الإيجابي، لما يخطو خطوات واثقة مستعينا بالله تعالى ومشبعا بالتفاؤل بالوصول للغايات، ومهما صادفه من صعوبات فإن إرادته الصلبة تعينه على معاودة المسير.

إعادة قراءة النفس الإنسانية والبحث عن متاهات الدروب التي خاضها والعمل على تلافيها مستقبلا ليس بالمهمة السهلة، إذ يكتنفها الكثير من الخطوات والتخطيط المحكم والعمل الجاد، ولكن البناء الروحي وعمارة العلاقة بالله تعالى تعيد للنفس توازنها، فالدعاء إعادة صياغة للنفس وفق مفاهيم الخشية من الله تعالى والنظر في عواقب الأمور، فتنخلع عن فكره تلك الصورة الخاطئة للحياة وكأنها ميدان لهو ولعب، فأصحاب الهمم تسمو نفوسهم وتتحرر من أغلال الشهوات والغفلة وتنطلق في فضاء التكامل.

لا تبحث عن جادة سعادتك وخلاصك من الأوهام ومعاول الهدم فيما حولك وتظن كأنها كرات مبعثرة تبحث عنها، بل هي بين جوانحنا تسكن بما نتخذه من تصورات وقرارات مبنية على الحكمة.

الماديون يقلقهم ويصيبهم بمقتل الحديث عن الموت والرحيل، بينما أصحاب النفوس السامية ما يقلقهم هو موت ضمائر وتبلد أحاسيسهم تجاه ذنوبهم وتقصيرهم، أو ليس بموت حقيقي الخنوع والذلة أمام الأهواء ليصبح المرء أسير شهواته فيفقد حريته وكرامته؟!

بناء النفس يبدأ من تصحيح نوايانا نحو الإخلاص لله عز وجل في كل ما يصدر منا، ونقف بكل حذر ويقظة أمام كل عمل نقدم عليه، ولنوسع آفاق العبادة والطاعة لتشمل كل عمل صالح نقدم عليه، فنشعر بالسعادة لصفحنا عن إساءة أحدهم ولصنع معروف لآخر، ولتكن حياة الاحترام والمحبة عنوان تعاملنا مع الآخرين معرضين صفحا عن كل الضغائن والكراهيات.