آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 11:59 م

المهارات الاجتماعية

ورد عن الإمام الحسن المجتبى : «رأس العقل معاشرة الناس بالجميل» «بحار الأنوار ج 78 ص 111».

من تلك الومضات عالية القدر التي تسلط الضوء على العلاقات الاجتماعية الناجحة هي هذه الكلمة الرائعة من الإمام المجتبى ، والتي تنساق تحت إطار الجانب الاجتماعي وفن التعامل مع الآخرين بما يضمن للإنسان حفظ كرامته واحترامه والتصالح مع نفسه من جهة، وبما يوفر له الاستقرار والوثاقة والنجاح في علاقاته من جهة أخرى، ولا يتصورن أحد أن التعامل مع الناس بالأمر السهل الذي لا يحتاج إلى تهيئة وأسس بناءة يقوم عليها، فمحبتهم وثقتهم لا تتأتى بكلمة عابرة أو موقف سريع، وإنما هي نتاج عمل دؤوب لترسية علاقاتنا على شاطئ الاحترام والثقة المتبادلة، كما أنه في الضفة الأخرى هناك من يفرط عقد علاقاته ويخسر من يحترمونه بسبب مواقف طائشة أو سلوكيات غير مقبولة قد ترسخت فيه، فالمرء المنبوذ قد فقد تقدير من حوله لما طرقه من عوامل هدم لعلاقات لم يسقها بالود ومواقف الإحسان.

التعامل الحسن مع الآخرين ينبأ عن تصالح المرء مع ذاته ومن ثم يعلي منطق العقل الحكيم، فالدخول في دوامة المناكفات والخصومات يعرض صحتنا النفسية للضغوط والاستنزاف، كما أن قوام الجانب الاجتماعي الإحساس بمحبة وثقة وتعاون الآخرين، فمن علائم السعادة الجاذبية الاجتماعية إقبال الناس على الحديث والتواصل معه والسرور بمعرفته.

وهذا التعامل ليس بالسهل وذلك لأن طبيعة الشخصيات تختلف وتتباين الشخصيات وتتنوع ما بين سهلة وصعبة، ومن طبقات عالية أو متدنية ثقافيا ومعرفيا وهكذا، كما أن الظروف والصعوبات واختلاف الأمزجة يلعب دورا في سير تلك العلاقات، ولذا فإن المتألق في علاقاته يراعي مثل هذه العوامل لئلا يصيبها أي توتر واضطراب، فيراعي تلك القاعدة الكبيرة في التعامل، وهي: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وبلا شك أن الواحد منا يحب المعشر الطيب والابتسامة الجميلة والكلمة اللطيفة والاحترام من الجميع، كما أنه يبذل ذلك ويفعله ويحافظ عليه بما يمليه عليه ضميره الأخلاقي.

وأما من أراد حصاد الشر وقذفه بكرات النار فإنه لا يقيم للآخرين وزنا ولا احتراما، فمزاجيته يحكمها في علاقاته وإن استجلبت للغير الألم بسبب تجاهله لهم تارة وانفعالاته غير المبررة تارة أخرى، كما أن الدخول في معترك الإساءات والردود العنيفة يقوض أسس أي علاقة ويحولها إلى خصومات مستحكمة.

والرغبة في التغيير الإيجابي هي ما يدعونا إلى التخلي عن السلوكيات غير المقبولة والمنفرة، ويحفزنا للتحلي بثقافة الألق الاجتماعي الداعي إلى تكوين العلاقات المستقرة والناجحة، وذلك من خلال تعلم المهارات الخاصة بالتعامل الحسن ولباقة الحديث والحوار، بما يحقق لنا التصالح مع أنفسنا والعيش بسلام وأمان، بعيدا عن أي حوارات ساخنة ومشاحنات تسلبنا راحة البال وهدوء النفس، فالإنسان السوي يطلب الاندماج والقبول والمحبوبية الاجتماعية ويسعى لتوفير الأرضية الصالحة لها، وهي ومضات أخلاقية واجتماعية تستسيغها كل نفس وتقبل عليها وترغب في التخلق بها، فالمعاملة بلطف وإحسان وبشاشة ليست بالمتطلبات التعجيزية، كما أن تجنب المنفرات من السلوكيات كالكذب والغش والتحايل والتجاوز على شخصيات الآخرين بالغيبة والنمية هي غاية ما يطلبه كل فرد في التعامل معه، فلماذا يجعل باء الاحترام والخطوط الحمراء له تجر بينما يمنع باء التجاوزات للآخرين فلا تجر، ولكن - للأسف - البعض يتعامل باستهتار وتعال وتخل عن المسئولية فيغفل عن المهارات الاجتماعية ويضعها على الرف جانبا، ويطلق العنان لأهوائه ومزاجيته ولمشاعره السلبية بما يحيله إلى شخص استفزازي في التعامل، بما يحيق به الإخفاق في تكوين علاقات ذات جدوى ومثمرة.

والمهارات الاجتماعية المثمرة تعيننا على فهم نفسيات الآخرين وطريقة التعامل معهم، كما تحقق لنا معرفة بأهم الطرق الجالبة للتفاهم والتراضي، ويجنبنا تلك النزاعات التي تنشأ في معظمها من أسباب لا معنى ولا قيمة لها، والتي تشبه الصخرة المتدحرجة اكتسبت مع كل موقف حجما أكبر حتى تحولت إلى سد منيع بين القلوب ومنعتها من التصافح والتسامح.