آخر تحديث: 6 / 6 / 2020م - 2:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإعلام كسلطة رابعة..ولكن بشرط

كامل أحمد الشماسي *

الدولة في بنائها الفوقي تنقسم من الناحية القانونية، إلى ثلاث سلطات «التشريعية والقضائية والتنفيذية» كتعبير عن الديمقراطية والحد من الاستبداد وقد شهدت الأنظمة السياسية على مر التاريخ الإنساني الحديث صراعاً يخف ويشتد ويحتدم حسب تناسب القوى الحاكمة وطبيعتها ومنشأها الطبقي ومصالح الفئات التي تمثلها حول حدود وصلاحيات كل سلطة، ولكن الحقيقة الثابتة هي أن تقسيم السلطات كانت خطوة هامة وضرورية للحد من الاستبداد والتفرد في الحكم وفي الوقت نفسه مواكبة تطورات الدولة الحديثة بهمومها الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والحقوقية.

لقد أتاحت عملية تقسيم السلطات من الناحية التاريخية إلى تشريعية وقضائية وتنفيذية إلى إمكانية تنامي دور الرقابة والمحاسبة بين مختلف أجهزة الدولة التابعة لكل سلطة وتسليط الضوء على السلطة التنفيذية المعنية بتحويل القوانين والقرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى واقع ملموس من الناحية التطبيقية.

ومع مرور الزمن وتضارب المصالح الطبقية والاجتماعية يبدأ الفساد، والذي هو ظاهرة ملازمة للدولة بشكل عام، يمارس تأثيرات معاكسة وسلبية على المسارات المرجوة من عملية تقسيم السلطات وبتزايد الاستثناءات وكسر القوانين والتعدي على صلاحيات كل سلطة بدأ يستشري هذا الفساد واختلفت درجة استشراءه من نظام حكم وآخر حسب مستوى الوعي لدى المجتمع وفعالية الرقابة والمحاسبة وديناميكيتها.

من هنا جاء الاعلام ليشكل سلطة افتراضية رابعة يستطيع المواطن العادي من خلالها الاسهام في نقد وفضح الممارسات الخاطئة أثناء عملية تنفيذ السلطات الثلاث الآنفة الذكر لمهامها دون الحاجة ليكون عنصراَ أو عضواً فيها وكانت الصحافة الحرة والمستقلة هي المنصات الأولى التي شكلت اقتحاماً لحدود واختصاصات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

ومع دخول المجتمعات ثورات التكنولوجيا والمعلومات ولج الاٌعلام مرحلة من القوة والخطورة أصبح معها هدفاً لفرض الهيمنة عليه وتطويعه من قبل المتنفذين والمتضررين من فضح أساليب الفساد التي يمارسونها بحق الشعب وطبقاته المغلوب على أمرها ولم يعد خافياً كيف اصبحت الصحافة بعد ذلك مركزاً لصراع الهيمنة والنفوذ ولعب المال السياسي دوره في اخضاع الصحف وشراء ضمائر العديد من الصحفيين ليكونوا ضحايا في عملية الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم في معظم الدول وابتزاز ضعاف النفوس منهم. حدث ذلك في أوروبا بعد الثورات البرجوازية التي اجتاحت معظم أوروبا وانسحبت على جميع الدول المعاصرة لها في هذه الحقبة التاريخية الحديثة.

وفي المعاكس ومع التطورات والتغييرات المذهلة التي أحدثتها ثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي العابرة للحدود والقارات أصبح الإعلام، عبر الجرائد الالكترونية وطرح مختلف الآراء والأخبار والمعلومات على صفحات التويتر والفيسبوك وغيرها، يشكل أداة مراقبة ومحاسبة ووسيلة إعلامية من الصعب تطويعها أو السيطرة عليها بشكل مطلق وبذلك أصبح للإعلام مكانة لا يستهان بها من ناحية التأثير على الحاكم والمشرع والقاضي وأتاح المجال لطرح وتناول شتى صنوف الرأي والرأي الآخر وعبر وسائل التواصل الإجتماعي تساوى الحاكم والمحكوم والكبير والصغير في التعبير والدفاع عن وجهات النظر المتناقضة وبنفس الامتيازات والإمكانيات.

إن الإعلام لكي يكون سلطة رابعة حقيقية في تقسيم نظام الحكم لابد وان يكون رافعة وطنية هادفة تتخذ من الانحياز للشعب والوطن مرتكزاً ومنطلقاً في المساجلات والطروحات الفكرية والسياسية والاجتماعية وعائقاً أمام كسر القانون ومبتعداً عن سموم الطائفية والقبلية والمناطقية ومراقبا شرساً وفاضحاً ومعرياً لكل مايسيئ للإنسان وحقوقه المشروعة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
سراج ابو السعود
[ القطيف ]: 16 / 5 / 2020م - 2:07 ص
مقال جميل
ماجستير في الحقوق - القطيف