آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:31 ص

معرفات نفسية

ورد عن أمير المؤمنين : «حاسب نفسك لنفسك، فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك» «نهج البلاغة ص 213».

للمحاسبة أهميتها التي تكمن في تفحص مواطن الخلل والزلل التي يقع فيها الإنسان، وتساعده على تجاوزها من خلال التعديل والمعالجة ليعتلي في فضاء الإنجاز وتحقيق الأهداف بأعلى درجاتها المتألقة، ويخطئ من يجعلها حربة يطعن بها أعراض الناس وينشر من خلالها أوبئة نفسه المريضة، والتي تحركه نوازع الشر نحو انتقاص الآخرين والتشهير بهم مما يورثه الغرور وسوداوية المشاعر.

من أهم عوامل النجاح في حياة المرء تقييم كل ما يصدر منه من أقوال وتصرفات، يكتشف من خلالها أوجه التقصير والزلل الذي وقع فيه ليتلافاه مستقبلا، فإن الاستمرار في الخطأ وتكرار فعله ينبيء عن صد فكري عن النظر فيه وإعادة قراءته وفق الحسابات المنطقية، ولذا فإننا بحاجة ملحة للخلوة مع أنفسنا وقراءة سلوكياتنا بتأن وتأمل، مع أخذ قرار جاد بالتغيير الإيجابي متخلين عن كل نقص وعيب، فالحياة المتزنة لا تعني خلو حياتنا من أخطاء وعثرات ومطبات وقعنا فيها، بل تعني تأسيس نظام الأمان والسلامة النفسية من خلال تقييم ذواتنا بعيدا عن أي رتوش مجاملات أو نرجسية زائدة، فالندم المتأخر أو اليقظة الآنية والشعور بالألم من الخطأ وقتيا لا يقدم ولا يؤخر، بل بالعكس فإنه يفقد الإنسان ثقته بنفسه ويسيطر عليه الشعور بفقد السيطرة على نفسه وعدم قدرته على اتخاذ خطوات إيجابية، وما علينا سوى البدء بالتصالح مع أنفسنا بالتعامل الواقعي مع تصرفاتنا، فاحترام أنفسنا يعني الحذر من الوقوع في الخطأ، وإن سقطنا يوما فعلينا النهوض مجددا وتصحيح ومعالجة ذلك الخطأ، فما لم يشعر المرء بقيمة نفسه لن يستطيع أن يحيا براحة وهناء، والقيمة الحقيقية للإنسان كماله ونزاهته من العيوب المتعمدة والعكوف عليها دون تصحيح.

والتقييم ومحاسبة النفس لا يتعارض مع مبدأ الطموح وطلب الترقي في درجات الإنجاز والنجاح، إذ لا يعني التردد والإعراض عن وضع الأهداف المتناسبة مع قدراته، وإنما تعني المحاسبة النظر في عواقب الأمور وترقب النتائج المترتبة عليها قبل أن نقدم على أي خطوة نندم عليها كثيرا، فهي ومضة إيجابية تساعدنا في شق طريقنا في الحياة بقوة متسلحين بوعي واسترشاد بهدي فكري ينير لنا حقيقة كل سلوك وتصرف، فبدلا من الندم المتأخر واكتشاف لائحة من الأخطاء الكثيرة بعد تضييع الأوقات والجهود، يمكننا من خلال تقييم كل كلمة وتصرف أن نختصر الطريق ونتجه نحو ما يحمد عقباه ونتجنب كل ما يلحق بنا من نقص وعيب نتيجة اتباع أعمى لأهوائنا، ويعد هذا هو الحب الحقيقي للنفس وطلب عليائها في تحقيق الإنجازات، وأما الحب الوهمي لها فهو تركها ضعيفة بلا أي صوت يحذرها من عواقب السقوط.

ومن الأخطاء التي يمكن لنا أن نرتكبها هي الانشغال بأخطاء الآخرين وتتبع عثراتهم وصب جام انفعالاتنا وإطلاق العنان لألسنتنا للحديث عنهم بسوء، تاركين ساحة محاسبة أنفسنا بلا أدنى التفات ورعاية ومتابعة حتى يحيق بنا المكر السيء، ولن يجني المرء من مراقبة أفعال الآخرين إلا ترامي الآفات الأخلاقية عليه من كل حدب وصوب، فتتبع خطايا الآخرين يشكل تقويضا لعملية الترميم والبناء النفسي والتخلص من العيوب والرذائل، وحتى وإن وجهت لنا إساءة من أحد فهذا لا يبيح لنا أو يفتح الطريق نحو ردود الأفعال النارية والحنق عليه والبدء في تتبع أخطائه لجعلها ورقة رابحة في المعركة معه كما يحلو للبعض فعله، فمن الخسارة الفادحة التي لا تعوض خوض غمار الحروب الأسرية والاجتماعية، إذ روح التسامح والتصالح مع الذات يحافظ على نقاء قلوبنا.

ووقوع المرء في الخطأ أمر وارد لا يستحق كل ذلك العناء لنفيه وإيجاد المبررات الواهية لوقوعه، وإنما يجب تحمل المسئولية من خلال الاعتراف به والعمل على تصحيحه وتجنب الوقوع فيه مستقبلا، بل ويمكن تحويلها إلى مجموعة من الخبرات يستفيد منها كومضات مشرقة في حياته ودروس دفع ثمن تعلمها، فتلك المحاسبة تجذر روح الثقة بالنفس والقدرات بعيدا عن الانهزامية والتهرب، إذ هناك من يتصارع في نفسه الخوف من الوقوع في الخطأ الموقع عليه احتقار وانتقاص نفسه من جهة، ومن جهة أخرى يدفعه طموحه نحو خوض غمار المواجهة مع التحديات وإن كان ذلك سيؤدي حتما لوقوعه في أخطاء، والحقيقة أن عليه الوثوق بنفسه وتفحص أي خطأ يقع فيه ليتداركه ويصححه.