آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 12:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

تجاعيد الزمن

عباس سالم

الضجيج المؤلم في جزيرة تاروت على ضياع الحضارة التاريخية، وعلى البيوت التراثية في المنطقة القديمة «الديرة» ما هو إلا تَأَسُّفٌ على تلك الحضارات التي عبثت الأيدي بروحها وهجران الناس لها ولم يبق منها إلا تجاعيد الزمن..!

رائحة الماضي تشمها في جزيرة تاروت وأنت تعتلي المنطقة القديمة «الديرة» كما حورية سمراء تعتلي التلال وتنثر شعرها عليه، ويتلألأ لك القصر الشامخ قصر تاروت الواقع على أقدم تلال فيها ينثرون حضارة لأكثر من 5000 عام مثقلة بالتراث وسحر الماضي، وبين صاباتها وزرانيقها ترى البيوت تأن تحت ركام الماضي، والناس هناك يعشقون الجمال في بيوتهم الحجرية الجميلة، ذات الشرفات الواسعة التي تسرح فيها الشمس نهاراً وضوء القمر ليلاً.

عندما تتأمل وتبحث بعينيك الواسعتين عن صدى الأمس الذي يطول به التحديق، وتنظر يمينًا وشمالًا وتسأل: أين النخيل الباسقات التي كانت تتزين بها البساتين الجميلة في ربوع جزيرة تاروت؟ وأين ذلك الماء العذب الذي كان يمر عبر جداول حفرت ليجري فيها ويسقي كل البساتين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب؟ لكن تلك البساتين قد لبسها شحوب الموت للعيون الطبيعية بعد أن ماتت الأم عين العودة الذي كان الماء يتدفق منها إلى كل بساتين جزيرة تاروت.

يمتد بصري إلى المقهى العتيق الكائن على ضفاف المنطقة القديمة «الديرة»، حيث تعودت الجلوس مع رفقائي نتبادل الحديث وطرح وجهات النظر في بعض القضايا الاجتماعية، حيث يحلون الحديث وتسكن النفوس وتركن الأفئدة على المتعة الكبيرة لأطراف الحديث بين الحاضرين، حيث تقطف الكلمة المتألقة من ينابيع الجمال إلى بهجة الخيال وطرفة الابتكار وتشتاق الروح إلى تلك الأيام، وتلتهي الأعين بتوزيع النظرات التي تستقر في النهاية على القصر الشامخ قصر تاروت الذي شهدا مراحل شبابنا.

كانت أجواء المقاهي الموجودة في جزيرة تاروت أيام الزمن الجميل زمن الطبيعة والجمال موصدة قد ألقى الزمن ذكرها وأباد صخبها، وهي التي كانت تعج بشتى العقليات وكانت موطنًا للفكاهة والتعليقات بين روادها، ولاقتناص الأخبار بالنسبة لهواة جمعها، وكانت ملاذاً للناس يحتسون الشاي المخدر ويمارسون لعبة الورق والكيرم والدومنا في انتظار فجر يوم جديد.

لكن المقهى اليوم لم يعد له صوت كما كان في الزمن الجميل، المقهى ميت المدينة تبكي بهجتها الضائعة في فرحة العيد، تختنقها غصة الصمت الرهيب وغرابة الزمن الجديد حيث إن المدينة تفقد أصوات الباعة المتجولين من أهالي البلدة، وتفقد طقوس الفرح وضجيج الصبية بين أزقة الفرچأن، المدينة اليوم ثقلى تنوح وأعمار تروح وأحلام موؤودة ولم يبق منها إلا الليل البهيم وتجاعيد الزمن الغريب..!!

ختاماً لم تعد ليالي العيد في المدينة كما عرفناها صاخبة وتنبض بالحياة، فجأةً سكت كل شيء فيها وأصبحت الطرقات وأزقة البلدة خالية من المارة، وجاءت في أجواء مختلفة سادها التوتر والإرباك في حادثة لم يشهد لها العالم مثيلا بفعل فيروس لعين يسمى «كورونا».