آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 6:34 م

وداع الضيف الكريم

يراود مشاعرنا أحاسيس الحزن والأسى ويعتصر القلب العامر بالإيمان ألم الفراق لضيف كريم بامتياز، وذلك لما يحتوه من نفحات إلهية تنزل بالرحمة والبركة على من شمروا سواعدهم في محراب العبادة والطاعة وتحسبن الأخلاق، فيلاقيهم التوفيق والسداد من رب العباد بنيل أعلى درجات الورع وتكامل النفس، فهذا الزمن الذهبي الذي لا يعادله وقت آخر في أهميته وعطائه وثماره، لذا فإن مشاعر الحزن تعبر عن رحيل ديمة الرحمة الخاصة والفيوضات التي لا يمكن اللقاء بها إلا بامتداد العمر لرمضان قادم.

لقد أشار القرآن الكريم إلى ما يمثله الشهر الكريم من محطة لتزويد النفس بملكة التقوى ونزاهة النفس عن مقارنة المحرمات، لما يشرق في النفس من ومضات معنوية قوامها المعرفة بعظمة الله تعالى والخوف من عقابه، وهذا ما نلمسه في بساتين الارتقاء الروحي في البرنامج العبادي المكثف الذي يقبل عليه المؤمن كميدان تحد لأهوائه وتكاسله عن الرقي لأعلى درجات القرب من الله تعالى، فهذا الشهر الكريم مائدة معطاءة يتناول منها الصائم بقدر استعداده وتهيئته الصادرة من معرفة عميقة بشأنه، وهذا التهيؤ يشمل كل آليات الاغتراف الروحي بالعزم الأكيد على الرجوع إلى الله تعالى متخليا عن مسارب الخطايا وخطوات الشيطان التي توقعه سريعا في سخط المولى الجليل، فالإيمان ومضة معرفية بتقصيرنا وخطايانا التي سودت صحائف أعمالنا، ونحن في الشهر الفضيل أمام فرصة لمراجعة علاقتنا بالله عز وجل، فنبدي الندم على ما اقترفناه، ونرسم خط الرجعة والتوبة وطهارة النفس من شوائب الذنوب.

والناس فيه ليسوا على مستو واحد من الوعي والهمة في التعامل مع عطاياه السنية، فالقلوب أوعية تتلقى تلك الألطاف والنفحات الإلهية بحسب قابليتها واستعدادها مع التفاوت في ذلك، فهناك من جعل الشهر الكريم محكا ومعيارا ومنهجا يسيرا على منواله في النزاهة والاستقامة ما بعد الشهر، فيراقب أعماله ويخضع نفسه للمحاسبة للوقوف على أوجه التقصير والخطايا التي ارتكبها، وبعضهم لم يراع حرمته وشأنه فاستكمل واستمر على خطاياه دون مراعاة له، فهو الشقي الذي حرم فيوضاته ولم تنفع معه المذكرات والمنبهات إذ أصم أذنه عن الوعي والفهم، وهناك من جعل الشهر الكريم ميدانا لنظافة جوارحه مما علق بها من النزوات والمعاصي، فما إن يعلن الضيف الكريم أوان رحيله حتى يعود لما كان عليه من تقصير، وكأنه المرأة المكية العيية في عقلها التي تنفض يدها بعد تعب وجد في غزل الصوف لتفله من جديد، نعم هناك من يعود إلى المربع الأول بعد شهر رمضان لأنه لم تتجذر في نفسه تلك المكتسبات والدروس الروحية والأخلاقية.

وأما من غرفوا من عذب معينة فهم من أدركوا مقاصده ومضامينه العالية، فالغاية العليا من الإمساك عن المفطرات تحصيل ملكة الإرادة القوية الممانعة، لما يقبع في النفس من تصورات سلبية للشهوات والأهواء المحرمة، فتتحرك اليقظة والمراقبة في فضاء الكلام والسلوك، فشهر رمضان المعظم مأوى المقصرين والمذنبين من تبعات ما اقترفوه من سيئات، يظلهم بالرحمة الإلهية الواسعة، ويفتح لهم أبواب القبول لتوبتهم ويقظتهم وخروجهم من شرنقة الشقاء، ففي خضم تلك الأجواء الروحية المكثفة في شهر رمضان، يستشعر المؤمن معاني الأنس بذكر الله تعالى ومحبة الخالق، فينطلق بقوة الشوق نحو تلك الأوقات العامرة التي يجد فيها نفسها