آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 5:29 م

مقهى المخيلة والكتابة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

المقاهي حالة شعرية في ذاكرة الكتابة، يستحيل أن يخبت وهجها أو ينطفئ. هي عندي الرافعة التي لا تنفك ترفد الحافز الشعوري على الكتابة، وتستعيد ما تراكم من تجارب عديدة ومتنوعة في القراءة.

وكأن المقاهي شرط للدخول إلى بيت الكتابة بعد أن تضيئه من الداخل. لكني أعيش في مدينة لا تشكل المقاهي مساحة كبيرة منها، ولا تتخذ موقع الصدارة في حياتها الاجتماعية اليومية. طرق الحياة المفضية للمقهى تحتاج إلى مدن صاخبة ضاجة بالحركة والفوضى وتشكل الأحداث المتوالية.

وهذه الطرق شبه معدومة في مدينة مثل الأحساء، على الأقل في الفترة التي عشت فيها طفولتي ومراهقتي ومطالع شبابي إلى بداية تشكل وعيي بالكتابة والاهتمام بالطرق المؤدية إليها.

لكنني لم أعدم طرق المخيلة التي صنعت مقهاي الخاص عبر ذاكرة القراءة، فعندما كنت أتلقى صور المقاهي في ذاكرة الروايات والقصص التي انطبعت في ذهني كصورة مقهى الفيشاوي في روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال، أخذت هذه الصور تتمدد في مساحات لا بأس بها في مخيلتي، وأصبحت تلح خصوصا ما كان يرفد ذلك لاحقا صورة المقهى في السينما المصرية فترة السبعينات والثمانينات،

وفي فترة بداية التسعينات كتبت نصوصا كان المقهى حاضرا فيها كمفردة استدعيت من مخيلة القراءة على عجل، وكأنها صورة كومبارس في مسرحية

كانت المفردة مغرية، وكانت تمثل علامة على حداثة النصوص. لكن سرعان ما تعمقت تجربتي في حياة المقاهي بعدما زرت العديد من المقاهي المشهورة في العالمين العربي والغربي، وأصبحت هذه الحياة تحتل مساحة كبيرة في ذاكرتي الإبداعية، إنها حياة صاخبة تنبض بالحركة، والأجمل إنها ترتبط بأصدقاء لا يمكن أن ينسلوا من الذاكرة دون أن يغرسوا فيها جذور أحاديثهم وصور ملامحهم، فأصبح حضور المقهى عندي دلالة على حضورهم، وحضور صورهم بدوره دلالة على المادة الخام القابلة للكتابة في أي وقت. تعرفت خلالها على العديد من الأصدقاء الشعراء والكتاب المبدعين، فاللقاءات الأولى، وبالذات عندما تجري أحداثها في المقهى، بالنسبة لي هي عنوان كبير على حدث لا ينسى، قد تغيب تفاصيله الدقيقة بتقادم الزمن.

لكن الأهم هو أنه يبقى في يدي أشبه بالحجر الصغير كلما رميته في بركة ماء راكد، سيصنع دوائر على سطح هذه البركة تكبر شيئا فشيئا حتى تكون حوافز الكتابة قد أكملت استعدادها.

مقهى الرصيف هو إحدى المحطات الرئيسة الملتصقة بتجربتي في الكتابة، هذا المقهى الواقع في شارع الثريات، على طريق الظهران كانت أجواؤه لا تنفك تتسلل إلى ذهني باعتبارها حالة شعرية تستدعي في أغلب الأحيان الكتابة. الطاولة المستديرة والتفاف الأصدقاء حولها والضوء الخفيف الساقط من الأعلى على الطاولة، أكثر من عشرين سنة ظل هذا المقهى رافدا كبيرا بالنسبة لي لكن المفارقة الشديدة هي أني لا أذكر يوما من الأيام أن استسلمت للكتابة في فضاء المقهى، ولا للقراءة أيضا إلا في حالات نادرة جدا، فلا أعرف طريقا للكتابة إلا إذا كنت متوحدا مع الفضاء الذي أكتب فيه، لا عين تتلصص، لا أذن تصغي، ولا صمت يزعجك في التفكير به.

لذلك لا معنى عندي للعزلة، خصوصا إذا ما كانت قسرية تحت أزمة فيروس كورونا.

تعلمت من الفيلسوف هيدجر معنى الفرق بين العزلة والوحدة، الأولى أن تنعزل عن الناس وتبتعد عنهم بينما الثانية أن تكون بينهم. لكن بشروطك التي تفتح لك طريق التأمل والاطمئنان والسكينة، وهذه بالطبع تحتاج إلى ممارسة وخبرة. حاولت ركوب الموجة الثانية، نجحت في بعض الأحيان أخفقت في أحيان أخرى.