آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 11:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العلاقة بين الطبيعة والحياة

عباس سالم

الحجر المنزلي داخل المنازل زاد من الانكفاء على النفس والتوسع في العزلة، وفيه العلاقة مع الحياة تراجعت، وأصبحت الحيرة سيدة التفكير في من جاء لنا بذلك الوباء اللعين؟ الذي فرض سطوته علينا ليغير الكثير من نمط حياتنا، وأجبرنا على التباعد الاجتماعي في علاقاتنا الاجتماعية.

كانت الحياة عادية وكنا نشاهد الأخبار من على شاشات التلفزيون التي تبثها لنا مختلف الفضائيات، وترسل لنا صوراً للحروب والمجاعات والكوارث البشرية والطبيعية مسترسلة حتى تطبعت بها أدمغتنا وتطبع معها الإنسان، وكانت كل صور الدمار والضحايا من البشر التي نراها منظراً عادياً مادامت هي بعيدة عنه والضحايا ليسوا بأحبابه أو أقربائه.

الحجر المنزلي يجعلني أتساءل: بأي شيء كان نبي الله موسى يفكر عندما انفصل عن قومه الذين عبر بهم البحار والصحاري؟ ويدخل في حالة انكفاء في انتظار أن يجيبه الله تعالى عن أسئلته، وبماذا كان رسول الله ﷺ يفكر عندما كان يختبئ في غار حراء بعيداً عن أعين الأعداء التي تراقبه لحظة بلحظة؟ بل وفي أي شيء كان الإمام علي يفكر عندما نام بكل شجاعة على فراش رسول الله محمد ﷺ ذات ليلة؟ بطلب منه ﷺ، وبماذا يفكر الناس داخل منازلهم عندما يبدأ الحجر المنزلي الاحترازي من كورونا؟ الذي هو أفضل إجراء احترازي من عدوى كورونا.

في كل يوم نسمع من أصدقائنا أو عبر الصحف الإلكترونية في البلاد، عن أَمْوَاتٍ يرحمهم الله تعالى قد غادروا هذه الحياة بانتظار من يشيعهم ودفنهم، وأصبحت الحياة كئيبة ومغلقة وفجأة نكتشف أنها بكل جبروتها مجرد احتمال صغير، وإذا بالشوارع فيها تصمت قبل أن تموت ويسكت كل شيء فيها، فكم يبدو الزمن بعيداً بلا لغة ولا تاريخ ولا ذاكرة في زمن الجائحة.

لم يعد العالم اليوم كما عرفناه صاخباً وينبض بالحياة، أفتح عيني وسط سكينة الحياة وكأني لم أعش على هذه الأرض ولَم أحفظ بعض تفاصيلها وقسوتها وأفراحها، أطل من نافذتي صباح كل يوم وأرى السماء هادئة فارغة بلا ألوان تغزوها جحافل من الطيور الجميلة وهي تستعيد حياتها الطبيعية التي سرقها الإنسان منها عندما دمر أماكن تعايشها في بلادي.

أرى الغراب الأسود بمنقاره الطويل وهو يقف على شجيرات الورد في الحديقة، وتتساءل كما كنت في طفولتك: هل إن الغراب لا زال ندير شرا؟ وفجأة عادة كل أصناف الطيور الجميلة حتى الفراشات الملونة التي سرقت منها كل التدرجات وتحولت إلى أكفان بيضاء عادة بشيء من الفرح، وكذلك رؤوس الأسماك أحست بالأمان وعادة إلى شواطئ البحر التي خربتها يد الإنسان، لتعيد الذكريات لأيام الطبيعة في بلادي التي دمرتها سماسرة العقار.

ختاماً كم تبدو الأرض اليوم مرتاحة تتنفس بلا خوف من الاختناق مما تفرزه المصانع وعوادم السيارات من غازات وملوثات قد تكون سامة ومؤدية للإنسان، وكأن المدينة والتراب والأشجار تحرروا كُلِّيًّا من أيد البشر واستعادوا علاقتهم بطبيعتهم في زمن كورونا، ويبدو أن جائحة وباء فيروس كورونا كأنها لحظة انتقامية تولدت من الطبيعة المسروقة نفسها فقط ليعود السكان الأصليون أليها.