آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 4:10 م

تجارب الأجيال

المهندس أمير الصالح *

لعل الشاب في مقتبل العمر ولقلة التجارب، يكون أكثر جرأة واندفاعاً لخوض التجارب دون دراسة لحجم التكلفة العاطفية وأبعادها، أو التكلفة المالية أو المهنية أو الزمنية لتلكم التجارب. وقد يصل الاحتدام بينه وبين والديه في النقاش على خوض بعض الأمور حد المخاصمة والقطيعة إذا تعارضت الآراء في أمر ما يحب الابن الشاب الأقدام عليه ويحاول أحد الأبوين أو كلاهما ثنيه أو صرفه عن القيام بذلك. بعد مرور الزمن وخوض البعض لتجاربهم غير الموفقة، وكثرة التعثرات يتفاجأ بأن ذلك الشاب المندفع سابقاً يكتب على صفحات موقعه في الفيس بوك أو يغرد في التويتر بما يشبه خاتمة بعض تجاربه يستشف منها شيئاً من الحسرة أو ندب الحظ أو مرارة الخاتمة.

فمثلا تقرأ لذلك الشاب المندفع جمل مثل ‏ ”بعد أن تُخذل، تصبح أعمق هدوءًا، أكثر نوماً، أكثر صمتاً، أقل حديثاً.“

ويغرد آخر ”حين تخذلك الأشياء التي حولك، لا تحاول أن تثق بها مجدداً. ‏فقط حاول أن تثق بأنك تستطيع العيش دونها“. ويسترسل بعضهم بالقول في تغريداته ”بعد تعدد الخيبات نهرب من أشخاص كنا نعتقد بأنهم الأقرب. أصبحنا نخاف مِمّن كنا نعتقد أنهم الأمان لنا. الآن، نحافظ على ماتبقى من كرامتنا من أشخاص اعتقدنا أنهم سندنا في هذه الحياة!“ ثم يختم بالقول مجرب مندفع آخر: ”لم يَكُونُوا صَادِقِين يا صَديقي. كَانُوا يَملؤون بك وبي الفّراغ الذي تَرَكْهُ غَيرنا فيهم. فَقَط كَانُوا يستغلون مشاعرك الصَّادقة لقضاء وقت مسل أو تطييب أوجاعهم بكلماتنا الصادقة دفئاً. أَمَا رأيت كيف كَانُوا يقابلون حَنانك بالتجاهل واندفاعك بالبرود ورأيك المخالف بالإقصاء أو التصنيف وتمسكك بالقيم بوصمك بالتراث‏! لا تأسف عَلَيْهِم يا صديقي، فلا على أمثالهم أَسف.“ كل هذا وذاك ينم عن غرق بعض الشباب/الشابات في شبر ماء من التجارب العاطفية أو المالية أو التجارية … إلخ.

في عالم التربية يحاول الآباء والأمهات الأسوياء جاهدين نقل تجاربهم الناجحة أو نقل التجارب التي عاينوها أو قرأوا عنها إلى أبنائهم، وتوطينها في نفوس أبنائهم من خلال عدة قنوات عبر القصص أو عبر الأحاديث المسائية أو النقاش العائلي. وفي ذات الوقت يصارع الآباء أبناءهم إقناعاً لثنيهم عن خوض التجارب المشكوك في نهايتها أو المحتمل عقلياً انتهاؤها بشيء من المتاعب أو الانكسار أو الخذلان أو الحسرة أو مشاركتهم الاطلاع على تجارب تناقلها أبناء جيلهم أو قرأوا عنها في أحد الكتب الموثوقة.

بين إقدام الشباب المندفع وحرص الآباء على أبنائهم عدة عوامل ينبغي استحضارها على طاولة النقاش المثمر، ولا سيما أن صراع أفكار الأجيال جزء من المعادلة القائمة. فد يكون من الجيد أن يتقن الآباء فنون الإقناع ويربوا أبناءهم على فنون الاستماع والانضباط لتكون هناك مساحة مشتركة في الأخذ والرد عندما ينبريء موضوع للنقاش في مرحلة ما. من جهة أخرى من الجيد أن نغرس في أذهان الأبناء أن خوض التجارب يدل على الإقدام والشجاعة والثقة بالنفس. وفي الوقت ذاته يجب الأخذ في الحسبان ضرورة عقلنة الحسابات لكل خطوة في كل تجربة جديدة، وعدم حرق أو خرق جسور يتجاوزونها، فقد يحتاجون أن يرجعوا لاستخدامها يوماً ما فلا يجدونها.

في عهد ثورة الاتصالات ومع تعدد تعرض الأبناء والشباب الأحداث إلى الأيديولوجيات المختلفة من المدارس الفكرية والتوجهات الغريبة، أضحى الآباء في سباق مع الزمن لكسب قلوب أبنائهم وعقولهم. في هذا الزمان كلمة ”عيب“ أو ”حرام“ لم يعد لها الوقع ذاته في نفوس بعض أبناء هذا الجيل كما كان الوقع في نفوس أبناء الأجيال السابقة. الوسيلة الأنجع هي النقاش العقلي البناء مع ترك مسافة لإظهار الاحترام وتطبيق نظرية الحبل المحدود طولا. ماذا لو أن الأب لا يكتنز معارف إنسانية أو لا يجيد الأب فنون النقاش مع أبناء جيل هذا اليوم تؤهله لعقد نقاش عقلي ناضج مع أبنائه، ولا سيما في ظل اندفاع بعض أبنائه لخوض تجربة/مغامرة ما؟

من الحكمة أن يستعين الآباء بأهل الاختصاص في الإرشاد التربوي، وإن فشل في ذلك فهو بين أمر الاصطدام بعنف مع أبنائه وأبناء الجيل الحالي، أو التفرج على خاتمة تجربتهم ويكتفي بالدعاء لهم أو يصم أذنه ويغطي عينيه. وهنا أترك دعوة مفتوحة للآباء والأبناء داخل الأسرة الواحدة نفسها وهم في الحظر المنزلي بضرورة المكاشفة والحديث من القلب للقلب، فالشباب الشجاع والمؤدب يستلهم من تجارب وقصص الوالدين وتكييفها بطريقة تتناسب ولغة عصره، وفي الوقت نفسه ندعو الآباء الحنونين والساعين لخلق ذرية صالحة لسعة الصدر واحتواء الأبناء وكسبهم إلى العقل والحكمة بكل ما أوتوا من مهارات ومكانة. فعالم الوجود للكائنات علمنا بأن نستبسل بكل ضراوة للدفاع عن صغارنا وحمايتهم من الأشرار والفجار والثعالب البشرية ليهنأوا بحياة جميلة ناجحة مشبعة باستنطاق العظات من عبر ودروس الآخرين.