آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 5:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

أكد أن الولاء للوطن ليس شعاراً.. بل ممارسة وسلوك

الشيخ الصفار: الحراك العربي والثورات نتاج الركود والجمود السياسي

جهينة الإخبارية عبدالرسول راضي - صحيفة النهار الكويتية
الشيخ حسن الصفار
الشيخ حسن الصفار

دعا الشيخ حسن الصفار الى ضرورة مواجهة دعوات الفتنة والتحزب للمذاهب من خلال استراتيجية خاصة من شأنها تعزيز دولة المواطنة التي تبتعد عن نهج التمييز بين مواطنيها في جانبي الحقوق والواجبات وتجرم الاساءات الطائفية والتحريض على الكراهية، مؤكدا أهمية اعتماد مناهج دراسية تربوية واعلام وطني لتأكيد الوحدة والتآلف والتماسك الوطني الاجتماعي.

وشدد الصفار في لقاء خاص مع «النهار» على ضرورة قيام مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي تعنى بتعزيز الوحدة والتقارب المذهبي وتشجيع المبادرات الاهلية في التداخل والتواصل وخاصة بين الأوساط الدينية في المذاهب المختلفة الى جانب نشر ثقافة التسامح والتعددية وقبول الآخر، منوها الى أن حرصه على الانطلاقة من مرتكزين أساسيين للتعاطي مع الشأن الاسلامي العام بالقراءة الواعية للنص الديني من الكتاب والسنة وفهم الواقع المعاش بشكل موضوعي.

وأكد الصفار أن الاستقرارين السياسي والاجتماعي في الساحة العربية لن يتحققا الا بعد قيام دولة المواطنة وانجاز النظام الديموقراطي، لافتا الى أن ما تشهده الساحة العربية من حراك سياسي وثورات وانتفاضات هو نتاج طبيعي لحالة الركود والجمود السياسي، حيث لم يبادر النظام السياسي العربي لتطوير نفسه وأخذ التغيرات في الساحة العالمية والمحلية بعين الاعتبار والاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة في المشاركة السياسية ومعالجة المشاكل الاقتصادية الحياتية.

وأشار الى أن الخطاب الاعلامي الاسلامي يعاني قصورا كبيرا في مستوى أدائه شكلا ومضمونا، اذ مازالت معظم الجهات التي تنتج هذا الاعلام تعيش ضمن اهتمامات تجاوزها الزمن من قضايا التاريخ وآراء الاسلاف دون ان تمارس حق الاجتهاد والتطور الفكري والثقافي بما يتناسب مع تطورات الحياة ووعي الأجيال المعاصرة، مؤكدا في نفس الوقت أن تكاثر القنوات الفضائية الطائفية يكشف عن الخلل العميق الذي تعيشه مجتمعات الأمة في العلاقة بين طوائفها وفئاتها وقواها المختلفة لاسيما وجود التمييز الطائفي الذي تمارسه بعض الانظمة بين مواطنيها في ظل الارادة الأجنبية التي تغذي مثل هذه الطروحات الاعلامية الطائفية المتشنجة.

وذكر أن الخطاب الاسلامي في العالم الغربي يكاد يكون منعدما في ظل الوجود الاسلامي الواسع هناك، وذلك بالرغم من الامكانات المتوافرة لدى دول الاسلام وزخم الثورات لدى شعوبها الا أن الانفاق على الاعلام الخارجي الذي يستهدف توضيح صورة الاسلام للشعوب الأخرى يعتبر انفاقا ضئيلا جدا.

ورأى ضرورة اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية مع الحفاظ على قيم الدين واحكامه، معتبرا أن تجاوز الاعراف والتقاليد ليس مشكلة في سبيل المصلحة العامة للاسلام والأمة، مشيرا الى أن السبب الاساسي في عدم الاهتمام بالخطاب الموجه للمجتمعات الغربية غياب التفكير في أهمية الرأي العام العالمي، لاسيما أن اعداءنا الصهاينة واليمين المسيحي المتطرف في الغرب يستفيدون من غياب اعلامنا الاسلامي القادر على الاستقطاب والجذب.

الى ذلك، بين الصفار أن المناهج الدراسية في الدول الاسلامية تعاني غالبا من الضعف في تنمية القدرة على التفكير، حيث انها تربي على التلقي والتلقين ولا تولي اهتماما لثقافة التسامح وقبول الآخر، وتفاصيل آخرى تطرق اليها سماحة الشيخ من خلال اللقاء التالي:

في البداية، ما هي الجوانب التي يرتكز عليها سماحة الشيخ حسن الصفار فيما يخص الشأن الاسلامي بشكل عام وبالمذهب الشيعي بشكل خاص؟

نرتكز في التعاطي مع الشأن الاسلامي العام، ونحرص فيه على الانطلاق من مرتكزين أساسيين هما القراءة الواعية للنص الديني من الكتاب والسنة وفهم الواقع المعاش بشكل موضوعي، لان الخطأ في فهم الموضوع ينتج الخطأ في معالجته، كما هو الحال على الصعيد الطبي فان تشخيص المشكلة الصحية يحدد نوعية العلاج لها.

مارأيك بالساحة السياسية التي تشهدها دول المنطقة في ظل الثورات القائمة؟ وما هي الرؤية التي يجب السير عليها من وجهة نظرك للوصول الى حالة الاستقرار في الاقليم العربي والاسلامي؟

ما تشهده الساحة العربية من حراك سياسي وثورات وانتفاضات هو نتاج طبيعي لحالة الركود والجمود السياسي حيث لم يبادر النظام السياسي العربي لتطوير نفسه وأخذ التغيرات في الساحة العالمية والمحلية بعين الاعتبار والاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة في المشاركة السياسية ومعالجة المشاكل الاقتصادية الحياتية، واعتقد أن الاستقرار السياسي والاجتماعي لن يتحقق في دول المنطقة الا بعد قيام دولة المواطنة وانجاز النظام الديموقراطي.

مارأيك في الخطاب الاعلامي الاسلامي؟ وكيف يمكن أن يساهم في تقريب وجهات النظر؟

الخطاب الاعلامي الاسلامي يعاني قصورا كبيرا في مستوى أدائه شكلا ومضمونا، فمازالت معظم الجهات التي تنتج هذا الاعلام تعيش ضمن اهتمامات تجاوزها الزمن من قضايا التاريخ واراء الاسلاف دون ان تمارس حق الاجتهاد والتطور الفكري والثقافي بما يتناسب مع تطورات الحياة ووعي الأجيال المعاصرة.

كيف تقرأ زيادة أعداد القنوات الفضائية الموجهة طائفيا؟ وهل يمكن أن تلعب دورا في زيادة الفرقة بين المسلمين؟

تكاثر القنوات الفضائية الطائفية يكشف عن الخلل العميق الذي تعيشه مجتمعات الأمة في العلاقة بين طوائفها وفئاتها وقواها المختلفة، فهناك تمييز طائفي تمارسه بعض الأنظمة بين مواطنيها، وهناك فكر اقصائي لا يعترف بالتعددية وحق الرأي الآخر في التعبير عن ذاته، كما أن هناك تيارات تعصبية تحرض على الكراهية باصدار فتاوى التكفير والتبديع، والاساءة الى رموز وشخصيات الطرف الآخر دون وجود قوانين رادعة، ولا نغفل الارادة الأجنبية التي تغذي مثل هذه الطروحات الاعلامية الطائفية المتشنجة.

ما هي السبل المتاحة لمواجهة دعوات الفتنة والتحزب للمذاهب؟ وما هو دوركم في هذا الجانب؟

لمواجهة دعوات الفتنة والتحزب للمذاهب اقترح اعتماد استراتيجية خاصة تشمل تعزيز دولة المواطنة التي لا تميز بين مواطنيها على صعيد الحقوق والواجبات، وتجرم الاساءات الطائفية والتحريض على الكراهية، بالاضافة الى اعتماد مناهج دراسية تربوية واعلام وطني لتأكيد الوحدة والتآلف والتماسك الوطني الاجتماعي، وكذلك قيام مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي تعنى بتعزيز الوحدة والتقارب المذهبي وتشجيع المبادرات الاهلية في التداخل والتواصل وخاصة بين الأوساط الدينية في المذاهب المختلفة، الى جانب نشر ثقافة التسامح والتعددية وقبول الآخر.

كيف ترى انتشار الخطاب الاسلامي في العالم الغربي؟ وما هي طرق معالجة النظرة الدارجة لديهم تجاه المسلمين بأنهم ارهابيون؟

الخطاب الاسلامي في العالم الغربي يكاد يكون منعدما، وهذا شيء مؤسف جدا، فالأمة الاسلامية ممثلة بدولها وامكاناتها الوقفية وزخم الثورات لدى شعوبها الا أن الانفاق على الاعلام الخارجي الذي يستهدف توضيح صورة الاسلام للشعوب الأخرى يعتبر انفاقا ضئيلا جدا، وفي الغرب وجود اسلامي واسع حيث يقدر عدد المسلمين هناك بملايين كثيرة، لكن تأثيرهم في المجتمعات التي يعيشون فيها لا يكاد يذكر، لانغلاقهم وانطوائهم على أنفسهم وعدم اندماجهم السياسي والاجتماعي في المجتمعات الغربية، للمبالغة في الحذر من التأثر بما يخالف الاسلام في أوضاع تلك المجتمعات، وأرى ضرورة اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية مع الحفاظ على قيم الدين واحكامه وذلك شيء ممكن، وتجاوز الاعراف والتقاليد ليس مشكلة في سبيل المصلحة العامة للاسلام والأمة، ولعل السبب الاساسي في عدم الاهتمام بالخطاب الموجه للمجتمعات الغربية، هو غياب التفكير في أهمية الرأي العام العالمي، وأننا كمسلمين يهمنا رضا الله تعالى ولا يهمنا رضا الآخرين عنا، ونردد دائما الآية الكريمة «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم»، مع فهم ساذج لهذه الآية الكريمة، أن نصوصا عديدة في الأسلام توجهنا الى ضرورة حفظ السمعة الحسنة للانسان المسلم والمجتمع الاسلامي، كما أن مصالح الشعوب الاسلامية أصبحت تتضرر بسوء السمعة، وأعداؤنا من الصهاينة المعتدين واليمين المسيحي المتطرف في الغرب، يستفيدون من غياب اعلامنا الاسلامي القادر على الاستقطاب والجذب.

أحداث 11 سبتمبر جعلت الغرب يعلن الحرب على العالم الاسلامي بحجة محاربة الارهاب، فهل تعتقد انهم محقون في ايذاء المسلمين في بلدانهم لمجرد وجود فئة بسيطة خارجة عن اطار التسامح الاسلامي؟

لاشك أن الصورة النمطية والتعميمية لاي مجتمع تعتبر ظلما واجحافا، فوجود تيار أو فئة تمارس الارهاب لا يجيز وصم أمة كبيرة مترامية الأطراف بالارهاب، والارهاب لا دين له، فهناك ارهابيون في المجتمعات الغربية المسيحية، أما الارهاب الصهيوني فهو ابشع ارهاب عرفه العصر، حيث بدأ ارهابهم كجماعات في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، ليتحول فيما بعد الى ارهاب دولة، فاسرائيل دولة مارقة متمردة على جميع القرارات الدولية، وتمارس الارهاب يوميا ضد الفلسطيني الأعزل، لكنها تتمتع بحصانة دولية لا نظير لها.

ما هو دور العبادة في احتواء النزاعات الانسانية وبث الطمأنينة في النفس؟ وكيف يمكن للمسلم الوصول الى مراحل الاستفادة من العبادة في الدنيا والآخرة؟

العبادة بما هي انفتاح على الله سبحانه وتعالى وتقرب اليه، واستحضار رقابته على الانسان، وأن الانسان راجع الى ربه ومحاسب على عمله، هذه الحالة التي تثيرها العبادة في نفس الانسان يفترض فيها أن تربي الانسان على مراعاة حقوق الآخرين، وعدم الاعتداء على شيء منها، بل تدفع العبادة الى الاحسان الى الآخرين طلبا لثواب الله ورضاه، لكن المشكلة تكمن في ممارسة العبادة كعادة وشكل طقوسي روتيني مع الغفلة عن مضامين وغايات الأعمال العبادية.

مارأيك في المناهج الدراسية التي تدرس في الدول الاسلامية؟ وهل نحن بحاجة الى اعادة النظر فيها؟

المناهج الدراسية في الدول الاسلامية تعاني غالبا من الضعف في تنمية القدرة على التفكير، وتربي على التلقي والتلقين، كما أنها لا تولي اهتماما لثقافة التسامح وقبول الآخر، بل بعضها يعزز حالة التعصب والانغلاق.

كيف يمكن التقريب في وجهات النظر بين المذاهب؟ وما هو السبيل الى نبذ العنف والاحتكام الى العقل في معالجة المشاكل والاختلافات المذهبية التي تحصل بين الحين والآخر؟

ليس مهما أن تتطابق وجهات النظر بين المذاهب الاسلامية في جميع المسائل العقدية والفقهية، فالاختلاف في الرأي ونوع الاجتهادات أمر قائم ومطلوب، وكان ولا يزال مصدر اثراء معرفي، واقرار بشرعية الاجتهاد، وهنا ينبغي اعتماد منهجية الحوار بين المذاهب الاسلامية، ليفهم كل طرف وجهة نظر الطرف الآخر، وللبحث عن المشتركات وتحديد مواقع الخلاف والتعامل معها تحت سقف الحفاظ على المصلحة العامة وحماية الوحدة والسلم الاجتماعي، ولا يصح اللجوء الى التهريج والتشويه والتحريض المتبادل على الكراهية، وتجاهل المساحة الواسعة للاتفاق والتي تزيد على 90%، والانشغال بالمساحة المحدودة للاختلاف والتي هي أقل من 10%.

البعض يشككون في ولاء الطائفة الشيعية للبلد التي يعيشون فيها ما ردك؟

التشكيك في ولاء هذه الطائفة او تلك للوطن، هو مظهر لحالة النزاع وسوء العلاقة بين الأطراف، فالولاء للوطن ليس مجرد شعار أو عنوان، ولا هو ساحة للمزايدة والمغالبة، وانما هو ممارسة وسلوك، فمن يدافع عن وطنه حين يتعرض للعدوان ومن يجتهد في خدمة وطنه من خلال العمل والبناء، ومن يحب لوطنه حتى وان اتهمه الآخرون، أما من يمارس الاخذ من خيرات وطنه دون ان يقوم بواجب العطاء للوطن، ومن يكره قسما من أبناء وطنه ويسعى للاضرار بهم، فهذا لا يوالي وطنه وأن رفع ذلك كشعار ومزايدة.

كيف تقرأ الساحة السياسية في العراق بعد زوال النظام الصدامي؟ وهل ستشكل الساحة السياسية العراقية انعاكسا على أوضاع الشيعة في العراق بشكل خاص وفي دول المنطقة بشكل عام؟

الساحة السياسية في العراق مازالت في طور التبلور والتشكل، وتحتاج الى وقت للتعافي من آثار حقبة الاستبداد الماضية، كما تحتاج الى رفع درجة الحصانة من تأثير القوى الاقليمية والدولية، أنه لا خيار للعراقيين من القبول ببعضهم بعضا، والمشاركة الفاعلية في بناء نظام ديموقراطي يعتمد مفهوم المواطنة ويبتعد عن التصنيف والمحاصصة القومية والطائفية، ولاشك أن العراق دولة رئيسة ومؤثرة في الواقع الاقليمي وبين العراق ودول الخليج تاريخ مشترك في الانتماء الى هوية مشتركة، ووجود مصالح متداخلة مترابطة ونأمل أن يقدم العراقيون للمنطقة تجربة سياسية ناجحة، من خلال تعدديتهم القومية والمذهبية التي تنصهر في مصلحة وطنية جامعة.