آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 1:28 م

بين المجهر وخرم الإبرة

من وصية الإمام الصادق لابن جندب: لا تنظروا إلى عيوب الناس كالأرباب، وانظروا إلى عيوبكم كهيئة العبيد..» «تحف العقول ص 502».

إنها معالجة من الإمام الصادق لظاهرة اجتماعية خطيرة تلقي بظلالها الثقيلة ومفاعيلها السلبية على الفرد والمجتمع، ألا وهي النظرة الازدواجية للعيب والخطأ الصادر من الفرد نفسه وما يصدر مثله أو غيره من الآخرين، إذ تلك المباينة في التعاطي مع النواقص والرذائل بالنظر إلى فاعلها مردها إلى أمراض أخلاقية مبتلى بها هذا الناظر، فحينما ينظر إلى عيوب الناس يسلط عليها مجهرا يكبر الخطأ لعدة مرات حتى يبصره ويتفحصه، بينما ينظر من خرم إبرة لا يكاد يبصر منه شيئا لخطأه فلا يراه شيئا يذكر أو يستحق التوقف عنده، وهناك من الأعذار والتبريرات ما تقزمه وتميع صدوره بل ويطلب تجاوزه بلا توقف!!

هذه الظاهرة السلبية ليست بالهينة أو محدودة المخاطر، إذ هذه النظرة الازدواجية تبعث الرائحة الكريهة للتكبر وتتبع عثرات الآخرين وأكل لحوم الميتين «الغيبة» وإثارة الفتن والكراهيات بين الناس، إذ أن الأمر لن يتوقف عند سماع أو معرفة أو اكتشاف الخطأ والنقص في شخصية أحدهم، بل إن هذه المعلومة عند أصحاب النفوس المريضة فرصة بمثابة السبق الصحفي الذي يستعجل بثه مفتخرا بأنه مصدر ذلك الخبر، ويفتح له دكانا إعلاميا ومنتدى ضرار يتبادل فيه كل ما هو سيء، فيفتح لسانه الناري مشرحا شخصيات الغير وكأنه وكيل نبي الله آدم على ذريته أو خليفة نبي الله موسى على قومه، فلا يسلم أحد من ذكر سلبياته مهما تصاغرت مغفلا كل إيجابية فيه مهما كانت بارزة وتعد بصمة جميلة وواضحة في سيرته، فهذا المريض كالذباب لا يمكنك أن تلقاه إلا لصيقا وعاكفا على قمامة الأخطاء والعثرات.

ومن صفات هؤلاء الازدواجيين التعالي والتكبر والنظرة الدونية للآخرين وكأنه الوحيد المعصوم من كل لمم وخطأ كبير، وقد أشار لذلك الإمام الصادق بقوله «كالأرباب» أي يرى نفسه الأفضل والأكمل والأحسن والأنزه نفسا، بينما غيره ثيابهم المعنوية «شخصياتهم» ملأى بالعيوب والأخطاء التي لا تغتفر، إذ أن تعاليه لا يسمح حتى بورود احتمال التراجع والتصحيح والتوبة ممن أخطأ يوما، فالازدواجي كالخوارج يرى أن الخطأ لا توبة منه ولا يغتفر ويوسم صاحبه طوال عمره بالمخطيء المذنب.

ولا يتورع هذه الازدواجي من وصم الناس بأقذع الصفات كالفاجر والفاسق والمجرم وغيرها من مفردات قاموسه الأسود، فقد نصب نفسه حكما يصدر على الناس كا يلوق لمزاجه الأهوائي وبما يسقطه من أعين الناس.

والضفة الأخرى من ازدواجيته هي نظرته لأخطائه وعيوبه، إذ لها من الحسابات والتعامل ما يتباين تماما مع نفس الخطأ الصادر من غيره، إذ أن الخطأ منه يعد له الأعذار والتمويه المبسط والمصغر له وگانه نقطة صغيرة، بينما لو صدر من غيره لنظر له بعين التكبير والتضخيم وسن له حراب التهجم والتشهير بصاحبه.

ويعالج الإمام الصادق ازدواجية النظر للعيوب من خلال أمرين: الأمر الأول هو النظر للطبيعية البشرية الخاضعة للأهواء والشهوات ولذا فصدور الأخطاء والذنوب أمر وارد، وما هو مطلوب من المرء في دوره الإصلاحي هو الستر والحفاظ على كرامة الغير، فلا يتحدث عن الآخر بما يسوؤه أو يستنقصه أمام الآخرين وإن كان مذنبا فيكشف عورته المستورة، وإن كان صاحب همة فليتقدم له بالنصح أو يوعز بذلك لمن يستمع له فتكون فرحته بارتداعه وليس بالتشهير به.

و الأمر الآخر هو النظر لعيوبه بعين العبد المنكسر بين يدي سيده، فتهرع نفسه مسرعة إلى الندم والتوبة والمحاسبة وتصحيح الأخطاء والارتداع عن المعصية، ويضع نفسه بين يدي الرحمة والمغفرة الإلهية لتشمله بالعفو وقبول التوبة.

وإن بحث عن الدواعي للتخلص من نزعة التعالي فلينشغل بعيوبه وإصلاحها فإنه أولى بذلك الوقت والجهد الذي يبذله في تفحص أخطاء الآخرين، وكفاه رادعا أن يفكر في عواقب الأمور بينهما، فلعل ذلك المذنب تستيقظ نفسه الغافلة ويتراجع عن غيه وفقدانه لصوابية الحكمة ورونق الاستقامة، بينما يظل هذا المزدوج على هذه الآفات الأخلاقية المبتلى بها.