آخر تحديث: 6 / 7 / 2020م - 8:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عنصريات «VIP»!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

إنه سحر الكاميرا، وبلاغة الصورة، التي تمكّنت من أن تهزّ الضمير في لحظة استثنائية أشعرت العالم بثقل «الرُّكبة» التي جثت فوق عنق الضحية الأميركي الأسود جورج فلويد في مدينة مينيابوليس، بولاية مينيسوتا، وهو ينازع الموت.

خلف الكاميرا، كانت آلاف «الرُّكب» تضغط بقسوة على أعناق الضحايا دون أن يرفّ لهم جفن... البطولة كانت لـ «الصورة» المدهشة التي طافت الأرجاء في لمحة عين، وأحدثت الصدمة؛ صدمة الوعي، وصدمة الشعور بالذنب والخطيئة، في الانتماء لحضارة تتبنى هذا السلوك.

بعدها أصبح العالم كله يذم «العنصرية»...! ولكن عن أي عنصرية يتحدثون؟ ثمة عنصريات عارية وذميمة وممقوتة، وإلى جوارها عنصريات كلاسيكية وفاخرة ومطرزة بالألماس...! عنصريات «VIP»!

إذا كانت العنصرية هي الشعور بالتفوق لمجرد الانتماء لمجموعة أو فئة محددة، وممارسة التهميش ضد الجماعات المختلفة وإقصاءهم، على أي أساسٍ كان: اللون، أو العرق، أو الدين، أو الانتماء... فهذا العالم كله يموج بالعنصريات العارية والمبرقعة.

هناك ما هو أدهى...! مجموعات إنسانية تشتكي من العنصرية، وهي نفسها تمارس العنصرية تجاه غيرها. يتحدث المثقفون في أعمالهم عن العنصرية، وحين تدقق تجد أن بعضهم ينتخب شكلاً «مُستضعفاً» من العنصرية لكي يوسعه ضرباً، أو ينافح ضد العنصرية التي يعاني هو ومجموعته منها، مثل التمييز المناطقي أو القبلي، لأنه يريد أن يضمن انتماءً آمناً للجماعة الوطنية، لكنه لا يستشعر ثقل العنصرية على كاهل السكان السود من بني جلدته. المرأة هي الأخرى عنوان مميز ومغرٍ للحديث عن حقها في المساواة، يمنح الكلام عن المرأة وحقوقها بعض المثقفين شعوراً بالنشوة والتميّز، وتحسين الصورة. لكن العنصرية على أساس التمييز الطائفي لا أمّ لها ولا أبّ سوى الضحايا، حين يتحدث المشايخ والوعاظ عن فتنة التكفير فإنهم بالضرورة يقصدون تلاميذهم الأكثر تشدداً الذين غالوا في التكفير حتى أصابوا مشايخهم، ولا يقصدون أنفسهم حين ينزعون الإيمان عن سكان الأرض!

كل مجتمع يفرز عنصريات يتواطأ على القبول بها، وأخرى ينبذها. في زمان سابق كان الحديث عن المرأة وحقوقها في التمكين غير مغرٍ. فكان المثقفون «التنويريون» يمرون عليها مرور الكرام. مثلما كان الحديث عن حقوق غير المتدينين في الشراكة الوطنية وأنه متساوٍ مع حقِّ غيرهم. وحقوق أبناء البادية مع أبناء المدن، وحقوق جميع المواطنين المتساوية مهما تنوعت أديانهم وأصولهم ومذاهبهم، لا أحد يحمل هذا العبء، لأن المثقف جزء من منظومة الثقافة السائدة، أو لأنه يتسم بالوصولية والانتهازية، يريد أن يحجز موقعه في المربع الآمن، دون الاكتراث لمسؤوليته في الانحياز للمهمشين. هذا إذا لم يؤدِّ دوراً في «تنميط» السلوك العنصري وتذويقه وتسويقه وتعزيزه بين الناس.

هناك شكل جديد من العنصرية، بالمناسبة يسمونه «العنصرية الجديدة»، أو «العنصرية الثقافية»، وهي الأخرى شكل مفخّم ومطليٍّ بالذهب من أشكال العنصرية، وهو شكل ماكر، يتوسل بالخداع والتدليس. تقوم «العنصرية الثقافية»، على اشتراط الانصهار في «الثقافة السائدة» كأساس للقبول في الاندماج الوطني. وهي تعزز سلوكاً لا يقبل التعددية ولا التنوع، وتفترض أن من واجب الأقليات التخلي عن هويتها وثقافتها والانصهار في الثقافة السائدة كشرط للقبول بها والتعايش معها. هو شكل جديد من ممارسة العنصرية بقفازات بيضاء، تماماً مثلما يشترط البعض في فرنسا أن تتخلى المسلمات عن حجابهنّ كشرط الانتماء لقيم الجمهورية.

كلنا نشتكي من العنصرية ونمقتها، ولكن العنصرية تمضي قدماً في ضمائرنا، نحملها فوق أكتافنا عبر الزمان والمكان ونوصّلها سائغة للأجيال... ولذلك فهي باقية وتتمدد!