آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

الثقافة الشعبوية ومفهوم النخبة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

إلى وقت قريب كان ارتباط الفرد بالثقافة يعتبر عملا نخبويا، وهو كذلك، على الأقل في الدوائر البحثية الجادة. لم يدر في خلد أي شخص سواء كان ممارسا للثقافة، ومتورطا فيها للعمق، أو شخصا مراقبا من الخارج، كان يتوقع أن تتفتت حدود العمل النخبوي، ويتلاشى صرحه أمام ضربات المسارات المتعددة التي غيرت مجرى التعاطي مع الثقافة في سياق تطورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عربيا وعالميا.

قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن فقط، كان ركوب موجة الثقافة والإبحار في دروبها هو بمثابة عنوان كبير على وجود مثقف له سماته وصفاته وموقعه ومعياره الذي يعرف اجتماعيا. وبالتالي يندرج تصنيف المثقف ضمن فئة معروفة، بحيث تختلف من بلد إلى آخر، من حيث النوعية أو الكثرة أو الحراك المرتبط به. وعليه يسهل حصر المثقف وتحديده لأنهم يشكلون في نهاية الأمر النخبة التي تدل دلالة صريحة على كونهم قلة، فضلا عن كونهم معروفين، فإنهم أيضا ينشئون شبكة من العلاقات فيما بينهم. لكنهم رغم ذلك لا يمثلون طبقة اجتماعية معينة، ولا تجمعهم مصلحة أو هدف واحد مشترك مثل أي تنظيم حزبي أو مهني أو ديني، بل نشاطهم الفكري أو الأدبي في سياق منجزهم هو في حد ذاته الصفة المشتركة التي تسمح للآخرين أن يطلقوا عليهم صفة المثقف باعتبارها صفة يشتركون فيها جميعهم.

بعد دخولنا الألفية الثالثة ماذا جرى؟ أو ما الذي تغير في التركيبة التقليدية للمثقف في علاقته بمفهوم النخبة؟

لقد جرى انزياح كبير لهذا المفهوم، بل انهدت أساسياته، ووقع البيت على من فيه، وانكشفت الحدود، وغارت السمات، وتشظت كل فكرة أو تصور في أذهان الناس عما تعنيه النخبة أو ما يعنيه المثقف تحديدا.

طبعا مثل هذا التحول أو لنسميه الانقلاب لم يأت في يوم وليلة، أو أنه حدث فجأة دون أسباب تأخذ رقابها برقاب بعض. أتذكر في عقدي الثمانينيات والتسعينيات كانت الأنشطة الثقافية في المؤسسات الرسمية في مجتمعنا السعودي تمثل العلامة على صوت النخبة المثقفة، وتعلن عن حضوره باعتباره مثقفا. وكان هذا الحضور أو الحراك من القلة بحيث لا يغيب اسم مثقف عن أذهاننا سواء على المستوى الفكري أو الأدبي، ولا الأنشطة المرتبطة به منبريا أو نصيا. وهذه أكبر دلالة على محدودية النخبة كما ونوعا وبالتالي المثقف، وليس دلالة على الفاعلية فقط.

الآن بفعل التحول الذي طال بنية ثقافة المجتمع، وارتباط هذه البنية بشبكة معلوماتية تدار ضمن حركة عولمة الكائن، وبرمجة عقله برمجة رقمية، بحيث تلاشت معها جميع الحدود التي كان يضعها ذهن الإنسان في تصوراته للأشياء والعالم، وأصبح هذا الذهن أو العقل يرى نفسه مثقفا ومفكرا وشاعرا في نفس الوقت دون أدنى تناقض أو حتى الإحساس بهذه المشكلة التي خلفها إمحاء الحدود. ودخلنا معها في ظاهرة ما نسميه الثقافة الشعبوية تزامنا مع ما يتصل بهذه الظاهرة الشعبوية في جانبها السياسي الديمقراطي حول العالم. المأساة في الأمر كله حين تجد مثقفا نجما تمرس النجومية فيما قبل هذه التحول. لكنه حينما استشعر فقد هذه النجومية صار يبحث له عن نجومية في وسط لا يسمح له بذلك مثلما هو الحال في طريقة عمل شبكات التواصل الاجتماعي، التي لا تتيح لك الفرصة أن تكون نجما على طريقة المنابر التقليدية.