آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:15 ص

معجم فلاسفة أم مجمع أخطاء؟

أثناء إعدادي لمقال عن ”اللغة والعنصرية“، إلحاقًا للخاطرة ”معاجمنا ومعاجمهم“ «المنشورة في جهينة بتاريخ 10-6-2020م» أحالني محرك البحث ”قوقل“ على صفحةٍ أحالتني بدورها على صفحة أخرى حتى وصلتُ «بالصدفة» إلى معجم، ولأن المعاجم تستهويني وألتقطها كما العصفور يلتقط الحب، بدأت في قراءته وانشغلت عن البحث الأصلي ليومين، وكانت قراءة غير مريحة تضايقت منها كثيرًا.

في عام 2015م تعاونت أربع دور نشر عربية: دار الأمان «الرباط، المغرب»، ودار عدنان «بغداد، العراق»، ومنشورات الاختلاف «الجزائر، الجزائر»، ومنشورات ضفاف «بيروت، لبنان» على إصدار ونشر كتاب بعنوان ”معجم الفلاسفة الأمريكان من البراجماتيين إلى ما بعد الحداثيين“، إشراف وتحرير الدكتور علي عبود محمداوي، وتقديم الأستاذ محمد الشيخ «المغرب»، في 839 صفحة.

حوى الكتاب ثلاثًا وعشرين مادة «مدخل»، تبدأ بـ ”رالف ولدو إمرسون“ «بقلم نضال البغدادي «أمريكا»، وتنتهي بـ ”فرنسيس فوكوياما“ «بقلم صباح الحاج مفتن - العراق.»

رغم أني أكن كل الاحترام والتقدير للدور الأربعة وللباحثين العرب الأفاضل المساهمين بمقالاتهم الثريَّة في هذا العمل، لكن هذا المنتج عكس الوضع الرديء الذي يثقل كاهل الثقافة العربية المعاصرة بما حوى من الأخطاء التي لا تُحصى؛ فشوَّهت العمل وحطَّت من قيمته، بالرغم من وجود أسماء عربية لها ثقلها في الساحة العربية. اللوم الأكبر يقع على المحرر والمشرف على المشروع من بدايته إلى نهايته ”الأستاذ محمداوي“، ومحرري دور النشر المحترمة، فأين مستشاروها وخبراؤها ولجانها العلمية؟

1 - المواد «أي الفلاسفة» مرتبة ”حسب تواريخ ولاداتهم“، كما جاء في صفحة ”التنويه“ أول الكتاب «ص: 7». إن تسمية هذا المؤَلَّف ”معجمًا“ خطأٌ منهجيٌّ، إذا التزمنا بالمعنى التقليدي للمعجم ولمبادئ صناعته، فهو أقرب إلى ديوان ”تراجم“، أو كتاب تجميعي ”أنثولوجيا“. «Anthology»

2 - والأدهى، ترتيب المواد ”حسب تواريخ ولادات“ الفلاسفة يخالف دلالة العنوان الفرعي للكتاب، وهو ”من البراجماتيين إلى ما بعد الحداثيين“. فكان من الأفضل ترتيب المواد على حروف الهجاء «الإنجليزية، أو العربية»، مع التقديم لها بجدول زمني ”تتابعي“ «chronological» يساهم في تثقيف القارئ العربي عن الفلسفة الأمريكية وتطورها. حتى هنا لم يكن هناك نسق موحد، بعض المواد تقدم بعض الأسماء بالعربية مع الإنجليزية وبعضها بدون المقابل الإنجليزي، وهذا خطأ، رغم أنه خطأ بسيط ما كان يجب أن يقع فيه المحررون.

3 - بوصفه كتابًا معجميًّا يجب أن لا يخلو من فهارس المصطلحات الفنية والأعلام والأماكن المذكورة فيه والتعريف بها، وهذا خطأ كبير في نظري، إذ أن الكتب غير المعجمية بدأت تمارس هذه العملية من فترة طويلة.

4 - ”المعجم“ أغفل ذكر العشرات من ”الفلاسفة“ الذين لا يقلُّون أهمية في تاريخ الفلسفة عمومًا، والأمريكية بالذات، عن المذكورين، خاصة أن العديد من هؤلاء هم تلامذة لأولئك الفلاسفة المبعدين، دون تبرير لهذا الإبعاد.

5 - لم يتقيَّد المؤلفون بتاريخ الرجوع للصفحات الإلكترونية التي يحيل إليها الروابط المذكورة، وهي كثيرة.

6 - علامات الترقيم في ”المعجم“ تتسم بالعشوائية التي من المؤكد أنها تؤثر سلبًا على استيعاب الأفكار والمفاهيم.

7 - أخطاء فاحشة في المتن، أعني المضامين، وهي كثيرة، أكتفي هنا بأربع مواد:

أ. مادة رالف ولدو إمرسون «Ralph Waldo Emerson»

نقرأ في ص 23: ”واد رالف والدو إمرسون“ بتاريخ «25 مايو 1803م»، في ”بوسطن“ عاصمة ولاية ماساتشوستس، انحدر من سلالة تسلمت الوزارة أبًا عن جد، فقد كان جد أبيه جوزيف إمرسون وزيرًا، كما كان جده وليام إمرسون الأب وزيرًا أيضًا، وقد مات في حملة عسكرية عام 1776م. وفي ذلك الوقت، كان ”وليام إمرسون“ «الابن» في عام «1770م» لا يزال في السابعة من عمره، ثم أصبح وزيرًا «كذلك» عندما كبر “. هنا خلط نتيجة سوء فهم لمعنى كلمة «minister» في رطانة الكنسيين، التي تعني”الكاهن“ أو ”خادم الدين“، وليس «منصب» الوزير بالمعنى السياسي.

وفي المادة نفسها، ص 25 نقرأ: «وبدأ بوضع مجلة إلكترونية أطلق عليها اسم ”العالم الواسع“»، ثم يُحيلنا المؤلف إلى ترجمة ”روبرت ريكاردسون“ R. D. Richardson للمعني ”وليام إمرسون“ «D. Richardson، Emerson: The Mind on Fire، University of California Press، 1995، p. 11.»، ‏والتي نجد فيها:

: «he began the first of what was to be a series of notebooks he called ”Wide World“». ف notebook تُرجمت ”مجلة إلكترونية“ بدلًا من ”كراس“، أو ”دفتر“، أو ”مذكرة“، فحسب المترجم يكون ”وليام إمرسون“ أول من أنشأ ”مجلة إلكترونية“ في التاريخ البشري! وهذا حصل في أوائل القرن التاسع عشر حين لم تكن الشبكة الإلكترونية موجودة بعد، ولا حتّى الهاتف والكهرباء.

ونقرأ أيضًا في ص25: ”فعمل نادلًا لمجلس العموم“، ثم يحيلنا الكاتب على كتاب جون ماكلرJohn J. McAleer عن إمرسون، John J. McAleer، Ralph Waldo Emerson: Days of Encounter، Boston: Little، Brown، 1984، p. 53.»، والذي نقرأ فيه أن إمرسون اشتغل نادلًا «waiter» في ”نادي الطلبة“ «junior commons»، الذي تمت ترجمته إلى ”مجلس العموم“، أي البرلمان!

وفي ص: 29، نقرأ «ويبدو أنه تأثر بها بشدة لما شوهد من ظلالٍ قويةٍ لها في بعض كتاباته مثل مقال ”الإفراط في الروح“ «The Over-Soul»، لاحظ ترجمة المقال بدلًا من أن تكون، مثلًا: ”النفس السامية“ أو ”الروح العلوية“.

ب. مادة ”جوزايا رويس“ «Josiah Royce»

نقرأ في بداية التعريف له، ص 121، أنه «ولد عام 1855م في مدينة سيرانيفادا بولاية كاليفورنيا. انتقل في بداية عام 1866م إلى الدراسة في إحدى المدارس الخاصة بـ ”سان فرنسيسكو“. وبدأ دراسته الجامعية في مدينة كاليفورنيا عام 1871م». الحال أن جوزايا - أو جوزيه - رويس ولد في مدينة غراس فالي Grass Valley، إحدى مدن مقاطعة نيفادا بولاية كاليفورنيا، وليس في ”سيرانيفادا“ التي هي سلسلة جبلية في كاليفورنيا، في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن دراسته الجامعية كانت في جامعة كاليفورنيا، بيركلي «أي فرع مدينة بيركلى للجامعة المشهورة»، وليس في ”مدينة كاليفورنيا“.

جاء في ص 156: أن ”جوزايا رويس“ نشر، عام 1881م، كتابًا تحت عنوان ”أهمية التحليل المنطقي“؛ والواقع أن عنوان الكتاب هو Primer of Logical Analysis: For the Use of Composition Students، كتبه لطلابه في مادة ”التعبير في اللغة الإنجليزية «English Composition» أي ”مبادئ التحليل المنطقي“ أو ”مقدمة التحليل المنطقي لطلاب التعبير“، إلخ، وليس”أهمية التحليل المنطقي“!

ونقرأ أيضًا أن جوزايا رويس في عام 1909م أصدر كتابًا بعنوان: ”مشكلات الجيل ومشكلات أمريكية“. والحال أن هذا العنوان لا وجود له في أعمال جوزايا رويس المعروف، والكتاب الذي صدر للمذكور في عام 1908م، وليس 1909م، يحمل عنوان: Race Questions، Provincialism and Other American Problems، يقابله في اللغة العربية: ”قضايا العرق، والعصبية المحلية، ومشكلات أمريكية أخرى“، وليس: ”مشكلات الجيل ومشكلات أمريكية“.

ج. ”مادة جون ديوي“ «John Dewy»

في ص 159 في مادة ”جون ديوي“، نقرأ: «ولد جون ديوي بمدينة قرمونت عام 1859م. والحال أن المدينة التي ولد فيها جون ديوي، هي مدينة ”برلنغتون“ «Burlington» في ولاية ”فرمونت“ «Vermont» الأمريكية، وليس مدينة ”قرمونت“.

ونقرأ في ص 162: «مثلما اعتبره ”إروين إدمانErwintoxicomanie“ أنه أحد صناع القرار الأمريكي»، من أين جاء اسم Erwin Toxicomanie؟ «وقد كُتبت «Erwintoxicomanie وكيف يتحول الاسم العائلي Edman إلى Toxicomanie؟ وكيف للمؤلف يترجم Toxicomanie بـ ”إدمان“ بدلًا من ”توكسيكوماني“، مثلًا؟

وبعد هذا بسطرين نقرأ: ”يقول يكهو يزن“ Eckhopèse، ويحيلنا المؤلف في الهامشين «2و3» على كتاب أحمد فؤاد الأهواني عن جون ديوي، ص: 11»؛ وبالرجوع إلى الكتاب نجد ”ديكهويزن“ Dykhuizen وليس ”يكهويزن“ أو ”إيكهوبيز“. Eckhopèse

د. نعوم تشوميسكي «Noam Chomsky»

بوصفي طالب علوم لغوية، الحديث عن أبي اللسانيات الحديثة ونظرياته وفلسفته تهمني كثيرًا، لذلك كانت هذه المادة الأقرب إلى نفسي والأفضل في العرض والنقاش، وإن لم تخلُ من بعض الهنات منها:

في حديث المؤلف عن والد نعوم تشومسكي يقول في ص 574: ”[في عام 1913م] انتقل وليام تشومسكي إلى فيلادلفيا حيث امتهن هو وزوجته التدريس في المدارس الدينية في مجمع ميكفا الإسرائيلي“. والصواب هو ”مجمع ميكفا اليهودي“، لم تكن ”إسرائيل“ كفكرة أو كيان غاصب وجدت بعد.

أنا أتفهم استخدام الأرقام العربية أو الهندية في النص العربي، لكن لا أتحمل أن يستخدم مؤلف عربي في نص عربي المختصر الإنجليزي ”ibid“ في الهامش بدلًا من عبارة ”نفس المصدر“ أو ”ن. ص“، وهذا حدث من صفحة 574 إلى صفحة 581، وبعدها، وفي أماكن أخرى في الكتاب.

رغم إعجابي الشديد بالمفكر واللغوي نعوم تشومسكي، كنت آمل من الكاتب التعرض للنقود التي وجهت لنظرياته اللغوية «الممتدة من الفلسفة» وأفكاره الفلسفية «الممتدة من رؤيته للغة» والردود عليها بدل الإسهاب المطول، ولكان المقال أكثر إثراءً؛ لذا آمل من الكاتب في الطبعة الثانية للكتاب الاستفادة من الكتب والمقالات المائزة حول هذا الموضوع، منها على سبيل المثال، ”فسلفة اللغة عند نعوم تشومسكي“ تأليف الدكتورة هناء صبري «المكتب العربي للمعارف، 2015م»، ولا أدري هل هذا الخلل ينسحب على باقي المقالات أم لا؟، لأني لا أفقه في الفلسفة، وأتركها للختصاصيين والمهتمين.

وفي الختام آمل من القائمين على المعجم إصدار طبعة ثانية بأسرع وقت ممكن منقحة وخالية من الأخطاء، احترامًا للثقافة العربية وللذائقة اللغوية في لغتنا الجميلة، فنحن أُمَّةٌ لا زالت تَستحقُ مِن الكتَّابِ ودورِ النَّشر احترامًا لا استخفافًا، لكن السؤال يبقى: بعد مرور خمس سنين، هَلْ تفرَّق ”فشل المعجم“ بين أربع دور نشر عربية؟، على غرار ”تفرَّق دمُ القتيل بين القبائل“.

 

تاروت - القطيف