آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:48 ص

صور رحلت

الرحيل من الحياة يعني أن سيرة شخص ملأى بالأحداث والمواقف والكلمات قد ختمت ولا عودة بعدها، فهي آثار باقية في الذاكرة والألسن أوراق التاريخ معروضة أمام الأجيال القادمة، وهذا ما يجعل سير الماضين عند مفترق طرق بحسب حجم وجود الفرد، فهناك من يكون خاملا في ذكره ونكرة في عالم الوجود النشط والفعال، فقد اكتفى في حياته بأدنى مقومات الحياة الحيوانية متجردا من أسمى المشاعر التي أودعها الباري فيه، فلم تلامس يوما قلب مكلوم أو مهموم لتخفف عنه، ولم يقم بتنمية ما حباه الله من قدرات عقلية ترسم معالم الحياة الإنسانية الراقية في أفق التفكير الواعي، فيضع من خلال إعمالها الحلول لمشاكله والخطط لمستقبل مشرق، بل آثر أن يكون هامشا في الحياة فلا يمكنك أن تتحدث عن عمره بشيء يمكن أن يكون ذا قيمة.

وهناك من ترك بصمة سوداء بتجسيده للصورة الشيطانية المجرمة والعدوانية، فلم يكن ذلك الشخص المحبب للنفوس وذلك لعدم مراعاته للميزان الاجتماعي في العلاقات مع الآخرين، من خلال حفظ الحقوق واحترام شخصية الآخر في كل شيء يتصل به، بل إنه أطلق العنان لنفسه الملأى بشتى أنواع الأمراض الأخلاقية، فمن تسربت لنفسه - من خلال تربية خاطئة وصحبة سئية - صفات الأنانية أو الغرور أو العدوان والظلم أو الكذب والاحتيال وغيرها، فلن يكون ذكره بين الناس إلا بالسوء والذم.

وهناك من تركوا بصمات جميلة في حياة من عاصرهم، وتشكل مواقف إيجابية محفزة لمن يستمع إليها من الأجيال القادمة أو يقرأ سطورها، تتمثل في كلمات رائعة تلامس الواقع بأسلوب جذاب ومقنع فترسم خطوطا للنجاح والتألق في دروب الحياة، وفي مواقف وأساليب لإدارة الأزمات وخطوات لاجتياز الصعاب والعقبات، فهي تجارب ترفد بجملة من الخبرات تقوي المخزون المعرفي والسلوكي عند الفرد.

من رحلوا عنا بمختلف توجهاتهم وتطلعاتهم وتصوراتهم خلفوا من ورائهم مجموعة من الذكريات واللمسات التي تقع تحت مجهر الفكر الإنساني لقراءتها في سياق المشهد الثقافي والاجتماعي، وما أجمل ما تركوا فينا من ذكريات وحكايات أولئك الذين تنبض القلوب حينما نمر ونعرج على ما ينعش ذاكرتنا من مواقفهم، فتبقى محل تقدير وإعجاب ومثار دهشة حيث خلدوا بإراداتهم القوية ومنطقهم الحكيم مواجهاتهم للظروف القاسية والأزمات العاصفة.

حقيقة الرحيل من الحياة له ومضة إيجابية تتمثل في تقدير قيمة وجودنا وما ينبغي فعله وفق الأهداف والإنجاز المخطط له، فيحيا برضا «إيجابي» عن نفسه كلما تقدم خطوة في طريق العمل الحثيث والعطاء الجميل، وأقوى محركات السعي الصالح عند المرء هو اليقين بالحياة الأخروية والاعتقاد بأن الموت ليس بنهاية المطاف، بل عليه أن يبني مستقبله الأخروي بكل كلمة وجهد يبذله في الدنيا، وبكل همة لتجنب الموبقات ونقص العيوب والرذائل.

انظروا لتلك الشخصيات العظيمة التي كانت بمثابة التجسيد لكل آيات الطيب والتسامح والتقوى والأخلاق الرفيعة، لهم قوة تقارع زبر الحديد فخاضوا معارك الحياة ومواجهة التحديات بكل اقتدار، لقد سطروا ملاحم الكبرياء بتعاليهم على إساءات الآخرين فلم يلتفتوا يوما لنداء التشفي والانتقام والأحقاد.

لماذا لا نتعلم من الكبار في نفوسهم معاني الحب الذي نثروه من حولهم، إذ جعلوا قيمة كبيرة لمفهوم الإنسانية المرتبطة بالمشاعر الصادقة والعقول الراقية؟

من الرقي أن نحيا بثقة وأمل كبير بالله تعالى متكلين عليه في ميادين العمل الحياتية كما عاشها العظماء، فالابتسامة التي خلدوها في ذاكرتنا لهم بسمة أمل وعمل وعطاء، وبصمة تقدير للآخرين باحترام شخصياتهم وأفكارهم وحقوقهم، فصانوها من التعدي والظلم لأنهم ببساطة فهموا دورهم البناء في ممرهم لمستقبلهم الأخروي.