آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عاشوراء بين إرهابين

فؤاد الحمود *

الإرهاب هو أخطر التحديات التي تواجهها المجتمعات في عصرنا. وفي ظل تعقيدات الأزمات وتشابك المصالح، لا تبدو دولة أو ساحة بمنأى كامل عن مخاطر الأعمال الإرهابية وتداعياتها، وإن تفاوتت المخاطر بين بلد وآخر.

والإرهاب بحد ذاته استعمال مثير للجدل إذ أن له معانٍ متعددة قد تختلف بين إطار ثقافي وآخر ديني. فلهذه الكلمة معانٍ مقبولة في العقيدة الإسلامية حيث تشير إلى تخويف الأعداء ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.

ولكن مفهومها الذي تستعمله وكالات الأنباء يختلف تمامًا، بحيث يشير إلى أي عمل يستخدم العنف والقوة ضد المدنيين ويهدف إلى إضعاف الروح المعنوية عن طريق إرهاب المدنيين بوسائل شتى.

إن تعريف الإرهاب هو من المشاكل الكبرى في العصر الحديث ناهيك عن المشاكل في تعريف كلمات مثل الحرب أو المقاومة أو الغزو أو التحرير، التي تختلف معانيها وأسلوب استخدامها حسب الاتجاهات السياسية والعقائدية لمستخدميها.

وفي الكلمة الصادرة عن أمير المؤمنين ”في التجارب علم مستأنف“ درس عميق يمكن لنا أن نستفيد منه ولا نتعجل في إصدار أي حكم على قضية خارجية أو تصور ما.

فقد مرت بلدنا بتجربة استطاعت من خلال تكريس الجهود بين الجميع من أعلى الهرم في السلطة وإلى كل مواطن أن يقف في وجه الإرهاب الذي حاول أن يمزق اللحمة الوطنية بين المواطنين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، وجسدت تلك التجربة التي تخطيناها بتكاتف الجميع، فمن الجهات الأمنية التي رصدت مداخل المنطقة عبر وضع مفرزات حدت من تحرك الإرهابين في مواسم عاشوراء، إضافة إلى تفهم أبناء البلد وعمل الحمايات الخاصة أمام المساجد والحسينيات إلى نجاح كبير.

هذا النجاح الذي أظهر التلاحم بين أفراد المجتمع مع الجهات الأمنية والوقوف بحزم أمام الإرهابيين في تلك المرحلة لكفيل أن نعيد معه التجربة وهذا الوباء الذي حل بنا وهو نوع وصنف آخر من حيث البلاء والابتلاء لأفراد المجتمع.

فالمراهنة على وعي المجتمع ليس أمراً غريبا في إحياء مواسم عاشوراء والخروج بنجاح باهر كما في التجارب السابقة، فمراعاة الضوابط الصحية التي قررتها المنظمات والجهات الصحية في الأماكن العامة سواء المفتوحة أو المغلقة من حيث التباعد وعدم السلام المباشر واستخدام الكمامات وتعقيم الأماكن بعد استخدامها أصبحت ظاهرة طبيعة من خلال المجمعات التجارية وفتح المساجد والحسينيات في مناسبات كمولد الإمام الرضا واستشهاد الإمام الجواد .

ولعل الاستبانة الإلكترونية التي أظهرت حسب المشاركين أن الغالبية تميل إلى إقامة عاشوراء العام المقبل مع الشروط والضوابط بطرق إقامتها المتعددة وان قرار مشاركتهم في الحسينيات المفتوحة بات أمرا ممكنا ومحتملا ولدى الكثير منهم الاستعداد والنية لحضور المآتم.

فعلى الجميع من مسؤولي المساجد والحسينيات والأئمة والخطباء التهيؤ بوضع الترتيبات المناسبة لإقامة موسم عاشوراء على الوجه اللائق به خصوصا مع تشجيع العلماء والمراجع أو بما يناسب القرار الذي يتخذونه بطريقة إقامة عاشوراء هل هو بالفتح المباشر أو بطريقة البث الافتراضي من خلال الوسائل المتنوعة، حيث أن عامل الوقت بدأ يداهمنا وحتى لا نصل على أبواب محرم الحرام والبعض غير مستعد لذلك.

وفي هذا الشهر الكريم أي ذي الحجة فرصة كبيرة ففيه مناسبات كثيرة منها:

الأول من ذي الحجة زواج الامام علي من فاطمة الزهراء عليها.

السابع من ذي الحجة ذكرى وفاة الإمام محمد بن علي الباقر .

الثامن من ذي الحجة يوم التروية وخروج الإمام الحسين من مكة إلى العراق.

التاسع من ذي الحجة في هذا اليوم أمر رسول الله ﷺ بغلق جميع الأبواب على المسجد النبوي إلاّ باب علي ويوم عرفة واستشهاد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة.

العاشر من ذي الحجة بلّغ الإمام علي المشركين سورة براءة ويوم عيد الأضحى المبارك.

الخامس عشر من ذي الحجة ميلاد الإمام علي بن محمد الهادي .

الثامن عشر من ذي الحجة عيد الغدير الأغر.

الرابع والعشرين من ذي الحجة خروج رسول الله ﷺ بأهل بيته لمباهلة نصارى نجران، وتصدق أمير المؤمنين بالخاتم.

والخامس والعشرين من ذي الحجة نزول الآيات من سورة الدهر في فضل أهل البيت .

كل تلك المناسبات مدعاة لإجراء اختبارات وكفيلة لنثبت للجميع تكاتفنا مع الجهات الرسمية وأننا مجتمع واع يتحمل المسؤولية لإقامة موسم عاشوراء على احسن وجه، فليس الوباء أشد فتكاً من الإرهاب الذي انتصرنا عليه ودحرناه.