آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مكة... ما بالك هذا العام ”استثنائية“؟

سهام طاهر البوشاجع *

يحدوك شوق لا يحد مداه
والقلب باركت الهوى يمناه
رحلت بكل الأيام رحلة عاشق
في قلبه شغف بمن يهواه

تحضرني أبيات الشعر هذه للشاعر ”عبد الرحمن العشماوي“ وكم وددت سماع نبض قلبه حين سطر تلك الكلمات عن شوقه لـ ”مكة“ حتى قال: في وجه مكة منه أجمل لوحة

وعلى جبين الأخشبين رؤاه
أرأيت مكة حين خاطت ثوبها
من نوره وتلفعت بهداه
وتبرجت ساحاتها وغدا لها
قلب يتوق وأعين وشفاه

ولست بشاعرة لأجاري قلمه وأكتب في مكة مثل ما كتبه فيها، إلا أن نبض قلبي تاق إليها هذا العام بشكل ”استثنائي“ وتساءلت كما تساءل غيري «ما بالك مكة هذا العام أنت في وضع ”استثنائي“»

اعتدنا على رؤية مكة في شهر ذي الحجة بالذات، وقد تزينت طرقها البرية والجوية وكذلك البحرية من جميع الاتجاهات ومن كل المنافذ والمواقف والمطارات وصولا إلى بيت الله الحرام، بالورود وبماء زمزم وبالترحيبات الخاصة بضيوف الرحمن، التي تطمئن قلوبهم استعدادًا لموسم حج تأهبت له الأنفس والأرواح، واعتدنا على جهود واستنفار كل الجهات المعنية؛ لإخراج موسم الحج بكل أريحية على جميع الأصعدة.

مالم نعتد عليه هو فقط ألا نرى الحشود المليونية التي اعتدناها، يغص بأرجائها المطاف والمسعى، وجبل النور وصعيد عرفات، ومكان رمي الجمرات وخيم منى، ومرتفعات مزدلفة، وكل الأماكن والمشاعر المقدسة.

مالم نعتد عليه هو أن نرى مكة وقد لبست صبغة مختلفة وكلمة ”استثنائية“ فهذا العام الذي بدأ منذ شهره الأول الميلادي بقصة ذلك الفيروس، الذي أربك كل موازين الحياة وكل خطط العالم برمته، من وكالات ومؤسسات ومدارس وفعاليات وغيرها، ها هو ينحصر بين المطرقة والسندان، في موسم ”الحج“ وقد دخل في تحدي كبير بينه وبين أن تسير أمور الشعيرة الخامسة من شعائر الإسلام بنجاح.

لقد توجهت أنظار العالم برمته على مكة هذه الأيام، بعد أن قررت المملكة بإمضاء الحج، وتسييره حتى بعد أن توقفت الحياة في أرجاء العالم كله، ولكن ”باستثناء“ وحذر.

فرحت القلوب وخشعت الأرواح لهذا القرار، كما تأهبت الأقلام الموالفة والمخالفة، للكتابة عن هذا الحدث الاستثنائي في ظل ”كورونا“ الذي صبغ مكة بصبغة مختلفة تحت شعار ”معًا محترزون.. جميعًا حذرون“ بسلام آمنين ”والأمر الذي سعت إليه الحكومة في أن تنجح هذا الشعار بتوفير كافة الإجراءات، والاحترازات الطبية والأمنية والاجتماعية، لمن قرر أن يخوض هذه التجربة فلم يعد هناك حساباً لا للأعداد البشرية كما كان يعتد لها سابقا، ولا للازدحام الذي شغل الكثيرين، وجعلهم يفكرون في طرق لفك الاختناقات والتدافع، وإلى ابتكار أسهل الطرق والوسائل لحج ناجح، فالحسابات تلك باتت لا أهمية لها الآن، إلا حساب واحد فقط الآن هو“ الحج بحذر"

كيف سيكون حج هذا العام وهو بحذر؟ كيف للحاج أن يوقف مشاعره ولا يلمس ستار الكعبة، وألا تختلط دموعه برائحة الحجر الأسود حين يقرر أن يقبله فلا يستطيع تقبيله! بل كيف له ألا يتحسس عرق جبينه في رحلة البحث عن ”الجمرات“ والتي سيرمي بها كل زلاته وآثامه؟ وكيف له ألا يرى زحام الأنفس في خيام ”منى“ التي اعتادت على نحيب وبكاء العاشقين، وقد تاق شوقاً لضجيج الصارخين والملهوفين للمغفرة والرحمة، بعد أن تقرر تطبيق بروتوكول التباعد الاجتماعي ”للحج بحذر“؟

القلوب متلهفة والأرواح متعطشة وارتواؤها بالقليل أفضل من حرمانها.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز