آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

فتيل بارود‎

 

من أسس العلاقة الزوجية الناجحة إجراء الزوجين مشاورات ونقاشات تتعلق بحاضرهما وما يخططان له لمستقبل واعد لعلاقتهما من جميع الجوانب الحياتية، فاختلاف الرؤى ووجهات النظر بينهما يحتاج إلى معالجة هادئة توصلهما إلى بر الأمان والحلول المرضية، وبؤرة تصاعد اللهب من الخلافات تحول الحوار إلى دخان متصاعد ونقاشات محتدمة، فينجران إلى منصة الصراخ والاتهامات المتبادلة والرغبة من كل واحد منهما في تحقيق انتصار وهمي على الآخر، والأنكى من ذلك هو اتهام الآخر بالنكدية وحب توتير الوضع ونزع فتيل المشاحنات لمجرد رغبته في مناقشة أمر مشترك بينهما وقعت فيه مباينة في الرؤية بينهما، فالاختلاف في وجهات النظر والأفكار أمر طبيعي ناشيء من تصور الفرد وطريقة تفكيره ونظرته للأمور، ولكن ما هو غير طبيعي هو تحويل الأجواء البيتية إلى جحيم لا يطاق لمجرد خلاف معين وتصعيده إلى أسقف عالية تتعدى التهجم على الآخر وإلصاق التهم به ورفع غطاء الاحترام لشخصيته، وقد يكون سبب احتدام النقاش بينهما هو أسلوب التعامل مع الشريك الآخر وطريقة التعاطي الخاطئة في الحديث معه، مما يؤدي إلى إثارته وشد الأعصاب وإلقاء الكلمات النارية.

ومما يلهب الأجواء بين الزوجين لجوء أحدهما إلى أسلوب الضغط وتشديد وتسارع الخطوات التصعيدية تجاهه بغية تغيير وجهة نظره وصرفه عنه أو لإيصاله للقبول والتسليم برؤيته، ولكن خطوتها التشددية تأتي بنتائج معاكسة مجملها يتمحور حول زيادة فجوة الخلاف بينهما واتساع رقعة المشاحنات، فالوصول إلى قناعة بأمر ما تحتاج إلى حوار هاديء يحترم وجود الآخر ونظرته مهما كانت.

ومن الأساليب الخاطئة التي ينجم عنها نقاشات صاخبة أسلوب المقارنة بالآخرين، فمن أجل المطالبة بتحسين الوضع والحصول على نتائج أفضل يلجأ الزوج إلى مقارنة حياته بالآخرين وتصوير حياتهم وكأنها نعيم جناوي، بينما تعمد الزوجة لتصوير الوضع المادي لصديقتها أو قريبتها المتزوجة وكأنها تعيش الحياة الرغيدة، متناسيا الواحد منهما ما يبذله الآخر من جهود في سبيل إسعاد شريك حياته، ولكن التأنيب واللوم الشديد والاتهام الدائم بالتقصير يحدث بؤرة خلاف ونقاش حاد يتبادل فيها الزوجان أسلحة الدمار الشامل لعلاقتهما، ويحيل علاقتهما إلى مناكفات ومحاولات استفزاز دائم للآخر بأي شكل، بينما كان يمكن أحدهما بأسلوب مباشر وهاديء إظهار عاطفته تجاه الآخر ومدى حبه لبلورة علاقة مستقرة وناجحة بينهما، وما ينقصه ويطلبه هو شيء من الاهتمام والرعاية والإحساس بوجوده القوي في حياته.

ومبدأ «خذوهم بالصوت لا يغلبونكم» لا يؤتي من الثمار إلا الحنظل وتفاقم المشاكل وفقدان الاحترام والثقة المتبادلة بين الزوجين، حيث يفهم الطرف الآخر دواعي لغة الصراخ ورفع الصوت الرامية لرفع أي دعوى للتقصير والخطأ عنه، واعتماد مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع من أجل تسجيل هدف في مرمى الشريك الآخر لا تجدي نفعا بل هي قذائف دمار وتخريب، إذ النتيجة المعروفة لموقف الهجوم من أحدهما اتخاذ الآخر للردود الدفاعية ومحاولة صد ذلك الهجوم الكاسح، مما يؤدي إلى تحطيم كل اللحظات والذكريات الجميلة في حياتهما، ويمكن التغلب على الانفعالية في الحوار بالتعود على مبدأ الاستماع للآخر ونبذ الصراخ والمقاطعة والانفعال لمجرد الاختلاف.

ومن الأساليب الخاطئة في التعاطي مع اختلاف وجهات النظر أو حدوث سوء فهم بينهما اللجوء إلى لغة الصمت وتجاهل وجود شريك الحياة، وذلك للتعبير عن امتعاضه من طريقة تعاطي الآخر مع طبيعة اختلافهما ودخوله المباشر في نقاشات حادة، ومثل هذا التصرف - بالطبع - لن يغير من الواقع شيئا بل يزيد حدة التوتر في علاقتهما والشعور بالمهانة والوجود الهامشي في مشاعر واهتمام الآخر.

الحوار الهاديء لغة تعتمد على ثقافة الزوجين بعلاقتهما وأسس نجاحها وتألقها، وتجنبهما كل أسلوب وتعامل يؤدي إلى توتير علاقتهما ويسيء للآخر أو يؤدي أحاسيسه يقوي علاقتهما، وبسط الحديث حول أي موضوع من منطلق المشاركة والاهتمام باستماع رأي الآخر، والبحث عن نقاط مشتركة وحلول مرضية للطرفين من خلال الاحترام المتبادل يرفد جدول مشاعرهما بعاطفة دفاقة.