آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

آدم.. أيقونة العشق الحسيني

محمد أبو زيد

موجة من التعاطف الصادق والمشاعر المخلصة اجتاحت مواقع وصفحات كثيرة في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي فور اعلان نبأ رحيل الحاج المؤمن الاخ آدم العقيلي ”رحمه الله“.

كلمات الرثاء ومفردات الحزن وعبارات التأبين تناولت ابعاد ولائية واجتماعية ورسالية في شخصية نأت بنفسها عن التكلف وابتعدت عن الأضواء والتزمت البساطة منهجاً وطريقة واسلوباً لها.

لم يكن هدف الاخوة الذي نعوا الفقيد القيام بحملة علاقات عامة لتلميع صورته، وإنما جاءت هكذا عفو الخاطر دون تخطيط من أحد، وهو أمر يستدعي الوقوف عنده وتدبره بوعي.

مجموعة من العوامل ساهمت في إعطاء شخصية الفقيد كل هذا الوهج الروحي والحضور الإجتماعي وساهم في بروز كل هذه المشاعر الصادقة والعفوية تجاهه...

جميع من كتبوا عنه تحدثوا عن البعد الولائي والعلاقة التي تربطه بأهل البيت ”“ دون ان يلتفت احد الى علة ذلك العشق وأسبابه، وأجد من المهم جدا الاشارة اليها وتوضيحها.

هناك مجموعة من العوامل ولكن ابرزها يرتبط بالجو الأسري الذي احتضن الفقيد ”رحمه الله“ طفلاً وشاباً يانعاً..

فالفقيد ينتمي إلى أسرة ”العقيلي“ وهي من الأسر المعروفة بالتزامها الديني وولائها العميق الذي تجلى عشقاً ولائيا في سلوك افرادها تجاه ما يرتبط بالولاء لأهل البيت ”ع”خصوصا الامام الحسين“ ".

قائمة النماذج ”القدوات“ الأشخاص الذين عرفتهم داخل هذه الاسرة نتيجة معايشة عن قرب تطول وسوف اقتصر على الدائرة الضيقة المحيطة بالفقيد وهم..

1 - جده لأمه المُلا عبد الحسن العقيلي ”رحمه الله“ ناعٍ وشاعرٌ مرهف الحس رقيق العبارة واسع الخيال في تصويره لمصائب اهل البيت ”“ له ديوان مطبوع منذ اكثر من خمسين سنة ”الزفرات المحسنية“ وكان آدم شديد الإعجاب بجده والحديث عنه، ولعلّه كان شغوفاً بتتبع احواله وقراءة سيرته وشعره، وقد حملّه هذا الحب مسؤولية القيام بإعادة طباعة الديوان ونشره، وطلب مني صورة لجده اخبرته انها موجودة في الطبعة الأولى للديوان الموجود في مكتبة الوالد ”رحمه الله“ وقد أهداني نسخة منه بعد الانتهاء من طبعه مؤخرا.

2 - جده لأبيه الحاج جاسم ”رحمه الله“ شخصية إيمانية، حافظ وقارئ للقرآن الكريم يعلو وجهه هيبة ويكسو شخصيته وقاراً، ويشرق جبينه عن نورانية ملفته، ويتمتع بكاريزما خاشعة، يلفتك خشوعه وتفاعله وحالة الحزن التي تستبد به في مآتم سيد الشهداء ”“، ومع انه لم يكن ثرياً الا أنه كان وجهاً إجتماعياً بارزاً وشخصية مرموقة.

3 - جدته لأمه الحاجه أم علي، كانت لا تقل في صفاتها الشخصية وسماتها الإيمانية عن قرينها الصالح، وقد مد الله لها في عمرها، ومع ما كانت عليه من ضعف وشيخوخة في آخر ايامها، فلم تترك يوماً الذهاب للمآتم مستعينة بعكازتها، محدودبة الظهر، صورة عشق يخشع لها القلب وتسمو لها الروح، عُرِفتْ ”أم علي“ بشدة بكائها وتفاعلها المؤثر عند ذكر المصيبة، تجعلك تحسب أنها تعيش فقد أحد ابنائها، وليس مأتماً اعتادت حضوره كل يوم!

تفاعلها يتجاوز حالة الحزن ويصل الى مستوى الجزع المتمثل في إظهار الحزن والتعبير عنه باللطم والبكاء بصوت عالٍ وهو مرجوح فيما خلا إذا كان على الحسين بن علي ”“، حيث تستغرق في البكاء حتى يغشى عليها أحياناً! كان آدم ”رحمه الله“ حدِباً عليها شديد التعلق بها والاحترام لها، يرافقها أحياناً الى المأتم ممسكاً بيدها.

3 - والده الحاج علي بن جاسم كان حسينياً ولائياً صاحب رؤية وفلسفة اجتماعية، شخصة تحظى بحضور اجتماعي، تجده منهمكاً في عمله يقضي معظم يومه في الكد على عائلته، غير ان همه الشخصي لم يحل بينه وبين حمل هموم مجتمعه، يبتكر اساليب يصنع الفرح وينشره في اوساط الناس، خصوصا في أيام الأعياد والمناسبات الاجتماعية.

التقيته مراراً وفي كل لقاء كان يبهرني بأفكاره وتطلعاته وهمومه، كانت اسرته تعيش في حي الديرة، والمنزل الذي يسكنونه كان وقف ذرية، وقد اطلعني المرحوم ”ابو آدم“ على وثيقة الوقفية المذيلة بتوقيع العلامة الحجة العارف الشيخ عبد الله بن معتوق ”قدس ثراه“ ومدون بها ”ان المنزل وقف للذرية واذا انقرضت لا سمح الله يعود وقفاً للإمام الحسين“ "...

اثناء عملي في جمعية تاروت الخيرية احتاج المنزل الى ترميم، ولاحظت اللجنة وجود شق وتداعي في أحد الجدران بسبب تجديد بناء حسينية مجاورة، وعندما أخُبِرَ أن ثقل خرسانة عمود الحسينية اثر على الجدار، ويحق له المطالبة بتعويض من اصحاب الحسينية؟

قال بنبرة متأدبة: سبحان الله هل اطلب تعويضاً من الإمام الحسين ”“ أو أرفع قضية عليه، وكل الخير الذي نحن فيه ببركته! هل تريدون ان يقول الحسين ”“ يوم القيامة عنا اننا جيران سوء؟

يكفي أن نكون جيران للحسين وهذا شرف كبير!

هل من الأدب أن اشتكي جيراني لانهم جددوا بناء بيت الحسين ... ماذا اقول للحسين يوم القيامة؟

واقعا انتابتني قشعريرة شديدة وانا اصغي الى كلامه، ونبرة صوته واسلوبه المتأدب مع الامام الحسين ”

ورث آدم من كل هؤلاء خصال الخير وحب الناس والاهتمام بقضاياهم.. شخصية مختلفة كثيرا، جريئا مرحاً مثقفاً متدينا مخلصاً في عمله... أثناء عمله في جمعية تاروت سائقا لحافلة أطفال الروضة كان يمارس عمله بشغف وحب وروح مرحه يحول الحافلة الى ارجوحة فرح يتمايل الاطفال فرحاً بالاناشيد التي كان يشدو بها لدرجة تجعلهم يمتنعون من النزول عند وصولهم لمنازلهم..

بعد آخر في شخصيته هو البعد الرسالي، فهو وان لم يكن عالماً وكاتباً ومع كونه مشغولا بهمه اليومي والمرض الذي نال من صحة جسده، غير انه كان شديد الولاء للدين والارتباط بآثار العلماء ونشر تراثهم العلمي والفكري، رسائله اليومية عبر الواتساب إما مقطعا من محاضرة او رابطاً لكتاب او اشارة او فائدة علمية، بعيدا جدا عن الاسفاف ونشر المقاطع عديمة الفائدة وقليلة الجدوى.

لذلك أقول لكل الذين يتسألون عن سر هذه الشخصية: في هذه الحجور الطيبة كان آدم يتقلب، وفي هذه الأجواء الرسالية كان يتحرك، وفي هذه البيوت الشريفة أرتضع حب مجتمعه، واستنشق عبير الحسين ”“ وارتضع حبه وتعلم ابجديات الحزن والبكاء والارتباط به، وإذا عرف السبب بطل العجب...