آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:48 ص

خطوط حمراء لا تتعداها

ورد عن الإمام الباقر : «إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه، ولا يحرمه، ولا يُسيء به الظن» «تحف العقول ص 296».

من مفاخر القيم الإسلامية هي تلك الجنبة الاجتماعية التي تهتم بكون علاقات أفراد المجتمع متمتعة بالقوة والتلاحم والود، فالمؤمل بارتباطهم أن يصل إلى درجة الأخوة التي يرى فيه الآخرين كنفسه في التعامل معهم، فإن ما يحكم تلك العلاقات هي القيم الأخلاقية والتربوية القائمة على الاحترام والتفاهم وحفظ حقوق الآخرين، بعيدا عن تحكم المزاجية المقيتة والأهواء والمشاعر السلبية المعكرة لصفو المحبة، ولذا يورد الإمام الباقر على سبيل المثال مجموعة من الموترات للعلاقات الوازنة والراسخة.

من المنهيات والخطوط الحمراء في التجاوز على الغير هي الشتم، وقد انتشرت - وللأسف - على شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة التعدي على الغير بالسباب والاستنقاص وغمز القناة، فأصحاب النفوس المريضة يجدون في الشتم متنفسا لأمراضهم وعاهاتهم وعقدة النقص التي يشعرون بها، فيجد هؤلاء في الشتم مأوى لضغوطاتهم الحياتية فيفرغون جام غضبهم على الغير، غير آبهين بما يسببه الشتم من ألم نقسي وجرح قاس، ويكفي تسليط الضوء على التعليقات الهامشية وهمسات السوء في المجالس أو في مواقع التواصل، والتي تنضح بمختلف قذارات الشتم والتهجم على الآخرين ونعتهم بأقذع الأوصاف السيئة، فاعتبر البعض السباب نوعا من إثبات الوجود والانتصار الوهمي على الغير، إذ يفتح لنفسه نافذة عريضة يمارس فيها ما يحلو لنفسه من سوء أدب وتوجيه كلمات جارحة تشفي غليل نفوسهم المريضة نتيجة ما يعانون منه من عقد وضغوط وشعور بالإحباط، كما أن البعض نتيجة لتربيته الخاطئة يعاني من ضعف في القدرة على ضبط النفس واحترام الرأي والموقف الآخر المختلف، فتتحرك نفسه العدوانية تحت ضغط انفعالي لتوجيه سهام الشتم للغير.

والخط الثاني للأخوة الإيمانية هي حفظ حقوق الآخر وعدم التعدي عليها ماليا أو معنويا، فكما أن الإنسان يتخوف من التعدي على الآخرين إذا وقع تحت طائلة مساءلة القانون وضوابطه، فكذلك القيم الإيمانية جرس إنذار وحركة ضمير حي تمنع صاحبها من المساس بالغير بأي شكل كان، كما أن خطوط حرية الفرد في أفكاره ومواقفه متاحة له بالشكل الذي يناسبه ما لم تتقاطع مع أذية الآخرين والتجاوز عليهم، فلكل من الجار والأرحام والأصدقاء وأفراد المجتمع حقوقه التي ينبغي مراعاتها من الاحترام له ومساعدته قدر الإمكان، مع عدم إزعاجه أو التطفل على خصوصياته وأسراره، فهناك ضابطة من لوائح الذوق العام والآداب التي تحكم العلاقات والتعامل مع الآخرين.

والخط الأحمر الآخر هو تعاطي سوء الظن واتهام الآخرين في نواياهم والتشكيك في مواقفهم، فذلك مدعاة لهدم أواصر وعرى العلاقات وأساس التفاهم والتكاتف بينهم، فالبعض يفسح المجال لقلبه ليمتلئ بالتصورات الوهمية وتكوين محددات سلبية للآخرين لا صحة لها في الواقع، بل هي من نتاجات عقله الباطن الخاضع لمشاعره السلبية ومزيج من وساوس الشيطان المحركة لمدافن الحقد ومثيراته في النفس، وليس هناك من ضرر على العلاقات الاجتماعية والأسرية أكثر تدميرا من سوء الظن بالآخرين، والذي يهدم أركان التفاهم والتلاحم والتكافل بين الأفراد ويفقدهم الثقة بالآخر.

وسوء الظن لا يتوقف عند حد التشكيك بالآخرين في نواياهم ومواقفهم، بل يتعدى ذلك إلى صنوف الاعتداء المعنوي كالغيبة والتجسس وهتك الأعراض وتتبع العثرات وحب إشاعة الفاحشة بين الناس.

ولا علاج لسوء الظن إلا حمل الآخرين على محمل الخير والتماس العذر لما يصدر منهم من تقصير أو خطا، فكما أن الواحد منا لا يقبل أن يضعه أحدهم موضع التهمة والتشكيك فكذلك ينبغي أن يتجنب ذلك في تعامله مع الآخرين.