آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 5:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأقدار

سوزان آل حمود *

فعل الخير والشر من العبد لا ينافي نسبتهما إلى الله خلقاً وإيجاداً، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك خَلْق الإنسان وأفعاله.

ولكن ليست مشيئة الله عز وجل دليلاً على محبته ورضاه، فالكفر والمعاصي والفساد كله كائن بمشيئة الله، ولكن الله لا يحب ذلك، ولا يرضاه، ولا يأمر به، بل يبغضه وينهى عنه، وكون الشيء مبغوضاً مكروهاً لا يخرجه عن مشيئة الله المتضمنة لخلق لكل شيء.

فلكل شيء خلقه الله حكمة مقصودة، واقعة على أساس تدبيره لملكه وخلقه.

في وقتٍ ما سيكونُ من الأفضلِ لك أن تتركَ أحبالَ كل شيءٍ، أن تتوقفَ عن العدوِ، وترخي قبضتك، وتريحَ أعصابك، وتهدّئ من روعك، وتتخلى عن قضم أظافرك، في وقتٍ لابدّ آتٍ سيكونُ واجبًا عليكَ أن تزوي لركنٍ منعزل، ترقبُ منهُ كيفَ تهيّؤ الأقدارُ كل شيءٍ لك، وكيفَ - لأجلِك - لا يتوقّف العالم بل يتحرّكُلك الساكن، يتحرّك كل شيءٍ لصالحك.

ستدركُ حينهَا أنهُ ليسَ بسعيك، ليسَ بإصرارك، ليسَ بعدوِك وليسَ الوصولُ الذي تعدّه وصولًا هو بالفعلِ كذلك، وليس كل ما أردتَ خيرًا ولا كلّ ما صرف عنك يستحقّ الندم. فيليلةٍ - كتلكَ عليّ - ستمرّ عليكَ تأتيك بشباكِ التخلّي لتلقيها بيديكَ على الكثيرين وتقذفه مخارجك قذفةً واحدةً، وتستلّ يديكَ بلطفٍ ممن ظللتَ عمرًا مستمسكًا بهم ولم يلتفتوا، وبهدوءٍ تستديرُ لتلقي نظرةً على المحبينَ المخلصين، الذين رأوا منكَ إفلاتًا في الوقتِ الذي أمسكتَ فيهِ كلّ أحبال الوصلِ إلا حبل وصلهِم، في ليلةٍ ما ستدرُك كم هو عسيرٌ أن تبذلَ نفسكَ ثمّ تهون!

وكيفَ سيأتي كلّ ذلك بالقسوةِ التي تسدّ كل المنافذَ لقلبِك..

يومًا ستغلقُ الأبوابَ في وجوهِهِم ليبتعدوا بحقٍّ دون أوبةٍ، ولتتركهم للأقدار، وتقف من بعيدٍ تشاهدُ بهدوءٍ تامّ دون حرقِ أعصابٍ، دون انتظار.

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [13]  وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [14]  [الانفطار]

ختامًا:

‏كُل إنسان يعتقد أنه مُبتلى أكثر من غيره، والحقيقة أن كُل منا لديه ما يعانيه ويكدر صَفو حياته، ولكننا نختلِف في الرضى بقضاء الله وقدره، هي أقدار كُتبت بحلوها ومرها، فلابُد أن نكون بين شُكرٍ وصبر، فالحمدلله دائماً وأبداً، كن في يومك إما حامداً أو مستغفراً.