آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 11:59 م

«لُغَوِيَّات الطوارئ» علم جديد من رحم كورونا

الدكتور أحمد فتح الله *

مقدمة

العالم اللغوي الصيني لي يومينغ «Li Yuming»، في مركز بكين المتقدم للابتكار لموارد اللغة ومركز الأبحاث للاستخدام القياسي للغة الصينية، جامعة بكين للغة والثقافة، نشر في 27 مارس 2020م مقالة بعنوان ”دروس اللغة من «كوفيد-19» «COVID-19» والتأهب للكوارث اللغوية“ [1] . الدكتور يومينغ لا يروي في هذه المقالة الاستجابة اللغوية السريعة لعلماء اللغة الاجتماعيين الصينيين لوباء كورونا فحسب، بل يحدد أيضًا برنامجًا لإيجاد علم لغوي جديد يدرس اللغة والتواصل زمن الكوارث والأزمات، للاستعداد لها والتعامل معها من الجانب اللغوي ومتطلباته.

المقالة[2] 

تطلب تفشي فيروس كورونا، «كوفيد-19»، من الصين بأكملها الوقوف معًا ضد الوباء من خلال تعبئة الموارد الوطنية لمساعدة ”هوبى“ «Hubei»، مركز تفشي الفيروس التاجي. تتمثل إحدى الصعوبات في تعبئة الموارد عبر المقاطعات في حاجز اللغة بين الأطباء والمرضى في الاتصال السريري. لحل الاحتياجات العاجلة للتواصل اللغوي بين الأطباء من أجزاء أخرى من الصين والمرضى المحليين، قام فريق المساعدة الطبية بمستشفى تشيلو بجامعة شاندونغ بتجميع ”دليل لهجة ووهان“ «The Guidebook of Wuhan «Dialect for Medical Assistance Teams» لفرق المساعدة الطبية مع الخصائص الصوتية لها «Audio Materials of Wuhan Dialect for Medical Assistance Teams»، و”كتيب التواصل بين الطبيب والمريض“ «Audio Materials of Wuhan Dialect for Medical Assistance Teams في غضون 48 ساعة بعد وصول الفريق إلى ”ووهان“ «Wuhan». هذا مثال واضح على توفير خدمات اللغة كجزء من الاستجابة للطوارئ؛ يوضح ضرورة مشاركة اللغويين في «محاربة COVID-19»، حتى لا يكون الطاقم الطبي مشتتًا بسبب الاضطرار أيضًا إلى التعامل مع حواجز اللغة والتواصل.

في 10 فبراير 2020، بدأ ”مركز بكين المتقدم للابتكار للموارد اللغوية“ «Beijing Advanced Innovation Center for Language Resources» في ”جامعة بكين للّغة والثقافة“ «Beijing Language and Culture University»، اختصارًا، «BLCU»، والمعهد الوطني لشؤون اللغة الصينية والتنمية الاجتماعية «National Institute of Chinese Language Matters and Social Development» بجامعة ووهان «Wuhan University»، جنبًا إلى جنب مع أكثر من اثني عشر معهدًا ومؤسسات بحثية، برنامجًا للانضمام إلى مكافحة «COVID-19» بتقديم خدمات لغوية.

بتوجيه من قسم إدارة المعلومات اللغوية بوزارة التعليم الصينية، تم تجميع دليل لهجات هوبي لفرق المساعدة الطبية لتسهيل التواصل بين فرق المساعدة الطبية والمرضى في مقاطعة هوبي. يتضمن الكتيب 76 جملة و156 كلمة شائعة الاستخدام في التشخيص والعلاج، إلى جانب ما يعادلها في لهجات ووهان وشيانغيانغ وييتشانغ وهوانغشي وجينغتشو وإيزو وشياوغان وهوانغغانغ وشياننينغ.

على الرغم من أن أعضاء الفريق كانوا يعيشون في مناطق مختلفة، إلا أنهم أدوا المهام بتعاون ملحوظ يعكس قدراتهم المختلفة. نتيجة تفانيهم لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ متواصلة، تم توفير سبعة أنواع من منتجات ”الخدمات اللغوية“ على ”وي - شات“ «WeChat»، أي نحن نتحادث، وهي صفحة إليكترونية متخصصة، ووسائط متقاربة، ومقاطع فيديو، و”تيك - توك“ «Tik Tok»، وخط هاتف ساخن يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع مع برنامج ترجمة فورية «Instant Translation».

كان ”دليل لهجات هوبي“ لفرق المساعدة الطبية مفيدًا للغاية للعاملين الطبيين في «الخطوط الأمامية». لم يعزز ثقة العاملين في المجال الطبي فقط، بل كان مناسبًا لمجموعات مختلفة من الأشخاص في سيناريوهات مختلفة؛ لذا تم استقباله جيِّدًا فأعاد ما يقرب من 30 حسابًا رسميًّا على”وي شات“ «WeChat» متعلقًا باللغويات ونشر ”الكتيب“، مما شكل سابقة لحسابات WeChat الرسمية في مكافحة الوباء. في حينه. بلغ إجمالي عدد مرات الدخول على ”الكتيب“ على WeChat ما يقرب من 30000؛ للتسجيل، حوالي 340,000؛ ولطباعة عبر الإنترنت، أكثر من 100000.

علاوة على ذلك، تم توزيع ما يقرب من 6000 نسخة من كتيبات الجيب التي نشرتها المطبعة التجارية مجانًا مباشرة على فرق المساعدة الطبية في ”هوبي“.

إضافة إلى تجميع كتيب لهجات هوبي، توسعت الخدمات اللغوية لاحقًا لتشمل اللغات الأجنبية التي تستهدف الطلاب الدوليين والمقيمين الأجانب الذين بدأوا في العودة والمجيء إلى الصين، مع بدء حملة الوقاية الفعالة من الوباء ومكافحته واستئناف العمل والإنتاج، لتوعيتهم بشكل أفضل بالمعلومات المحدَّثة حول الفيروس التاجي لسلامتهم. على سبيل المثال، قام ”مركز بكين المتقدم للابتكار لموارد اللغة“ في ”جامعة بكين للّغة والثقافة“، كعضو أساسي في البرنامج، في 27 فبراير بتطوير دليل للوقاية من وباء «COVID-19» والسيطرة عليه في اللغات الأجنبية بسرعة وكفاءة.

يتضمن الدليل 75 جملة شائعة الاستخدام في الاحتياطات اليومية واحتياطات الدخول والعلاج الطبي والحماية الشخصية. تمت كتابة الدليل «حتى وقت إعداد البحث» بأكثر من 20 لغة بما في ذلك اليابانية والكورية والفارسية والإيطالية والعربية والإنجليزية والألمانية والروسية والفرنسية، مع إصدارات تتضمن مقاطع فيديو وبطاقات وسائط متعددة وأنظمة برمجيات.

لم يحظ الدليل من لحظة نشره فقط باهتمام ودعم من وزارة التعليم، ولجنة اللغة الحكومية، والمركز الوطني لمكافحة الأمراض، ومكتب الشؤون الخارجية للحكومة الشعبية لبلدية بكين، والسفارات والقنصليات الصينية في الخارج، بل تم الترحيب به أيضًا من قبل الطلاب الصينيين المغتربين.

إضافة إلى ذلك، وبسبب انتشار فيروس كورونا الجديد في أجزاء أخرى من العالم، تمت مشاركة الدليل أيضًا من قبل المجتمعات الأجنبية عبر الإنترنت وحصل على ردود فعل إيجابية من بعض البعثات الدبلوماسية الصينية. من خلال هذه الممارسات، يمكن نشر تقدم الصين في مجال مكافحة الوباء وخبرتها في الخارج، لتكون بمثابة مساعدة إنسانية للمجتمع الدولي في الوقاية من الفيروس ومكافحته. سيستمر تحديث الدليل بناءً على أحدث تطورات الوباء في الداخل والخارج، مع إضافة المزيد من اللغات.

تطوير وتبسيط اللغة الصينية

مشروع آخر نعمل عليه اسمه «الصينية البسيطة» «Plain Chinese». لقد تم تطوير وتسهيل اللغة الصينية البسيطة بنجاح ويتم اختبارها حاليًّا. تم تصميم المشروع للطلاب الدوليين والأجانب في الصين على أمل أن يكونوا على دراية أفضل ب «COVID-19»، حتى لو كانت إجادتهم للغة الصينية محدودة. إنه مفيد أيضًا لأولئك الصينيين الذين يفتقرون إلى الكفاءة في ”بوتونغهوا“ «Putonghua»، [أي الماندرين «Mandarin»، وهي اللغة الرسمية للصين].

أثناء وبعد أي حالة طوارئ عامة، تعد الصحة العقلية والرفاه النفسي أمرًا حيويًّا، وتشكل التدخلات العلاجية للمرضى مجالًا آخر لتوفير الخدمات اللغوية، وبالتالي فهي تشكل واجبًا آخر على اللغويين القيام به. من المتوقع أن يعمل علماء النفس واللغويون جنبًا إلى جنب لتقديم «استراتيجيات» «الراحة اللغوية» «linguistic comfort» أثناء وبعد كارثة «كوفيد - 19».

من السابق لأوانه استخلاص النتائج لأن الكارثة لم تنته بعد، لكنني أرغب في تقديم تأملاتي بناءً على توفيرنا للخدمات اللغوية على مدار الفترة الماضية.

أولًا: لا ينبغي أن يقتصر الباحث على كتابة الأبحاث ونقل المعرفة، بل يجب أن يحمل الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والوعي والقدرة على حل المشكلات العملية. في العقود الأخيرة، دأبت مجموعة من علماء اللغة الاجتماعيين الصينيين على جذب انتباه الناس إلى مفهوم «حياة اللغة» «yuyan shenghuo». [3]  كانت هذه المجموعة تدعو إلى الاهتمام بالمشكلات المتعلقة باللغة في التنمية الاجتماعية. يُعرف هؤلاء اللغويون بشكل جماعي باسم «مدرسة الحياة اللغوية» «yuyan shenghuo pai»، وذلك لأن برنامج الخدمات اللغوية كان قادرًا على حشد الكثير من المتطوعين، في مكالمة واحدة. هؤلاء العلماء قد تم تحفيزهم بالفعل من خلال قناعاتهم، أي لوضع قوتهم الأكاديمية في ممارسة قضية الوطن الأم الكبرى. بصرف النظر عن مهمة البحث والتعليم، تحمل الدراسات العلمية والتعليمية أيضًا مسؤولية اجتماعية. أثناء مكافحة الوباء، لا ينبغي أن نهتم ببساطة ب «الحماية الذاتية»، بل علينا بدلًا من ذلك المساهمة بأفكار وبذل الجهود لاحتواء الفيروس.

ثانيًا: يجب إعطاء تكنولوجيا المعلومات دورًا كاملًا في الوقاية من الأوبئة ومكافحتها. يتسم الوباء الحالي بجمود حركة الناس والبضائع، ولكن بالتدفق الحر للمعلومات، على النقيض من توقف حياة الناس في شتى المجالات. [والجدير بالذكر]، لولا تكنولوجيا المعلومات، لكانت مكافحة هذه الكارثة أصعب بكثير. في واقع الأمر، لم يلتق أعضاء برنامج الخدمات اللغوية ببعضهم البعض بشكل شخصي، لكنهم قاموا بعمل رائع بمساعدة ”الدردشة الجماعية“ «group chatting» عبر الإنترنت. علاوة على ذلك، فإن تطوير منتجات الخدمات اللغوية والترويج لها قد تمَّ بشكل فعال من مجموعة المواد التي تم إنشاؤها سابقًا، وتم تطوير تكنولوجيا اللغة الحديثة، والمواهب متعددة التخصصات التي تمت تنميتها أثناء بناء الموارد اللغوية. إن التقدم الذي تم إحرازه يسلط الضوء على أهمية إنجازات الصين فيما يتعلق بالإنترنت وتكنولوجيا المعلومات الحديثة.

ثالثًا: يجب تضمين خطة حول الخدمات اللغوية في الاستجابة للطوارئ في الوقاية من حالات الطوارئ العامة ومكافحتها. إنه اختبار حاسم لنظام الحكم الوطني وكفاءة الإدارة للتعامل بفعالية مع حالات الطوارئ العامة. في السنوات الأخيرة، حققت الوقاية من حالات الطوارئ العامة ومكافحتها في الصين تقدمًا ملحوظًا، حيث تم سن العديد من القوانين وخطط الطوارئ، مثل ”قانون الاستجابة للطوارئ لجمهورية الصين الشعبية“، و”الخطة الوطنية للاستجابة للطوارئ“، و”اللوائح المتعلقة الاستجابة لحالات طوارئ الصحة العامة“. وفي الوقت نفسه، تم أيضًا إنشاء وحدات خاصة متخصصة في إدارة وخدمات الطوارئ العامة. ومع ذلك، لا تزال خطط الطوارئ اللغوية غائبة عن تلك الحلول. من خلال حالة الطوارئ الصحيَّة العامة الحالية، ينبغي إعطاء الأهمية لملء هذه الفجوة في أقرب وقت ممكن. لذا اقترح أن تتضمن خطة الخدمات اللغوية في الاستجابة للطوارئ ثلاثة جوانب على الأقل، وهي:

1 - سنقوم بصياغة الآلية الوطنية وخطة الخدمات اللغوية في الاستجابة للطوارئ العامة، أو ببساطة نراجع القوانين واللوائح والخطط الحالية، مثل قانون الاستجابة للطوارئ لجمهورية الصين الشعبية، والخطة الوطنية للاستجابة للطوارئ، عن طريق إضافة المحتوى ذي الصلة. هذا رغم أنه لا تزال تفاصيل الخدمات اللغوية في الاستجابة لحالات الطوارئ العامة قيد الإعداد والتفعيل. قد يكون ما يلي جديرًا بالاعتبار:

- اختيار القنوات التي يتم من خلالها إصدار المعلومات، على سبيل المثال الهاتف والراديو والتلفزيون ووسائط الشبكة «بما في ذلك Weibo وWeChat».

- اللغات التي يُفترض استخدامها في نشر المعلومات، بما في ذلك البوتونغهوا، والصينية. البسيطة، واللهجات الصينية «أصناف»، واللغات العرقية، ولغات التوقيع، واللغات الأجنبية.

- حواجز الاتصال الممكنة والحلول الملموسة.

- تطبيق مختلف تقنيات اللغة الحديثة.

- الآليات والخطط الخاصة بالخدمات اللغوية في الاستجابة للطوارئ على مختلف المستويات.

- المحتوى الآخر المرتبط باللغة في مختلف جوانب الاستجابة لحالات الطوارئ، مثل الوقاية والتأهب، والرصد والإنذار المبكر، والاستجابة للطوارئ والإنقاذ، والتعافي وإعادة الإعمار بعد الطوارئ.

2 - يجب إنشاء مؤسسة خدمات لغوية دائمة للطوارئ العامة. خلال الأوقات العادية، ستكون هناك حاجة إلى عدد قليل فقط من الموظفين أو الباحثين أثناء الخدمة بينما يشغل الآخرون مناصبهم الأصلية. عندما تنشأ حالة طوارئ، يمكن استدعاؤهم بشكل عاجل لتقديم خدمات لغوية مختلفة.

ثالثًا: يجب إيلاء أهمية أكبر للدراسات المتعلقة باللغة في الاستجابة للطوارئ العامة. الخدمات اللغوية في الاستجابة للطوارئ هي في الواقع مشكلة في ”تطبيق اللغة“ في مجال معين ولغرض محدد؛ إنه نوع خاص من المواقف اللغوية. يجب أن نستفيد من الخبرة العملية لمثل هذه الخدمات اللغوية في الداخل والخارج والاستفادة من الإنجازات الأكاديمية التي تحققت في «علم اللغة التطبيقي» «Applied Linguistics»، لإجراء البحوث بنشاط في هذا المجال وإنشاء نظام «لغويات الطوارئ» «Emergency Linguistics». وبذلك، يستطيع اللغويون المساهمة بشكل أكبر في الاستجابة لحالات الطوارئ العامة. علاوة على ذلك، سيتم إنشاء مراكز بحثية مخصصة للوصول إلى اللغة في الاستجابة للطوارئ، والتي تهدف إلى التعامل مع أنواع مختلفة من الطوارئ العامة مثل الكوارث الطبيعية والحوادث وحوادث الصحة العامة وحوادث الضمان الاجتماعي. وتهدف أيضًا إلى تنمية المواهب المتخصصة من خلال دمج الإدارات الحالية لإدارة وخدمات الطوارئ العامة. «انتهى مقال الدكتور لي يومينغ»

هذا كان عرض لتأسيس علم لغوي جديد بذكر مسبباته، وأهدافه وآلياته. ويمكن للمرء أن يخرج بالملاحظات التالية:

أ - الأزمات الكبرى؛ كوارث أو حروب أو أوبئة، عادةً تنتج ”معاجم“ بالمعنى المفرداتي، وقد تخلق واقعًا لغويًّا جديدًا، وربما ”لغات جديدة“، لكن أن يولد علمٌ لغويّ «تخصص أكاديمي» فهذا غير متوقع، خاصة أن الفروع العلمية تأخذ زمنًا حتى تتبلور وتُقْبَل في المؤسسات الأكاديميَّة، قبل أن يتم تبنيها واعتمادها.

ب - تحركت الصين كدولة كبرى وكلفت فريق عمل صيني من علماء لغة بارزين ومعروفين عالميًّا، لاحتواء أزمة وباء كورونا وتبعاتها من الجانب اللغوي، ومن مهامه تطوير وتسهيل اللغة الصينية للتواصل من أجل التوعية والتحكم في تداعيات الأزمة، وفي ذات الوقت نشر اللغة الصينية خارج حدودها. هل كان هذا استشرافًا لوضع الصين ولغتها في المستقبل المنظور، أم تدبيرًا ب ”تخطيطٍ لغويٍّ وسياسةٍ لغويَّة“ «Language Planning and Language Policy» وبتنظير أكاديمي جاد، ثم العمل على تحقيقه. هذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

ج - تناولت في أحد المقالات السابقة، ضعف التعامل اللغوي الأكاديمي والرسمي عند العرب في هذه الجائحة، لكن الصين دولة متماسكة مستقلة في قرارها يؤهلها لتفعيل سياساتها ورؤاها في أي مجال. هذا الوضع غير متحقق في العالم العربي المشتت؛ مجامع لغوية متعددة، ومنظمات أكاديمية وثقافية تحت رحمة القرار السياسي العام «الجامعة العربية» والخاص «لكل دولة». لكنَّي، على أقل تقدير، «أستطيع أن» أحلم في وجود «حكومة لغوية» مستقلة لـ ”إنقاذ اللغة العربية“ المهددة بالانقراض أو التهميش أو التلوث المؤذيان للهزال أو الموت. تتكون هذه الحكومة من اللغويين العرب الشباب المخلصين على غرار الفريق الصيني كامل الصلاحية بميزانية وإدارة مستقلة وقراراتها تُفَعِّلها الحكومات العربية وتنفذها مباشرة حسب الجدول الزمني المحدد في القرار.

د - بعد أن أعلنت وزارة التعليم عزمها إدراج اللغة الصينية في المناهج التعليمية العام الماضي، أبدا البعض تردده في قبول أو دعم الفكرة، لكن أعتقد سيزول تردده بعد قراءة هذا المقال، فاللغة الصينية هي اللغة العالمية للدولة الكبرى القادمة «الصين الشعبية»، والعلم قادم لنا، وبقوة، منها وبلغتها الرسمية. والأيام دول، والامبراطوريات في التاريخ الإنساني هي في الواقع ”إمبراطوريات اللغات“، [4]  وقد درسها الصينيُّون جيدًا ووعوها. وتكملة الكلام في مقال قادم، إن شاء الله.

[1]  المقال نسخة مختصرة ومترجمة إلى اللغة الإنجليزية من مقال نُشر لأول مرة باللغة الصينية في جريدة المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في 9 مارس 2020. ترجمه الدكتور تشانغ جي «جامعة تشونغنان للاقتصاد والقانون، وهان»، والدكتور لي جيا، «جامعة يونان، كونمينغ».

[2]  في موقع اللغة المتحركة، قسم اللغة والصحة «Language on the Move، Language and Health»، المحدِّد الموَحَد URL: http://www.langueonthemove.com/language-lesson-of-covid-19-and-linguistic-disaster-preparedness

[3]  عرَّف مترجموا النص الصيني إلى الإنجليزية مصطلح «الحياة اللغوية» «yuyan shenghuo» على أنها ”الأنشطة المتنوعة لاستخدام وتعلم ودراسة اللغة المنطوقة والمكتوبة ومعرفة اللغة وتكنولوجيا اللغة.“

[4]  انظر ”إمبراطوريات الكلمة: تاريخ اللغات في العالم“، لنيقولاس أوستلر، ترجمة د. محمد توفيق البجيرمي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، 2011، الطبعة الأولى.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
محمد منير التاروتي
17 / 8 / 2020م - 1:41 ص
دكتورنا الغالي
اختيارك لمقال يناقش موضوعا مستجدا لهو خطوة إثرائية في غاية الأهمية. وفي تعقيبك يظهر الحرص على لغتنا العربية ومستقبلها وأتفق معك فيما ذهبت إليه في تمنيك لوجود حكومة لغوية تنقذ اللغة العربية. أما بخصوص كون اللغة الصينية اللغة العالمية القادمة فأظنني ما زلت متمسكا برأيي، وأعترف أن التجاوب مع الجائحة بهذه الحيوية من ناحية لغوية التي قد تنتج فرعا جديدا في علم اللغة قد أدهشتني، إلا أنه لن يجعل من الصينية لغة عالمية في تقديري. فتعقيدات الوضع السياسي والصراع مع أمريكا والصورة المستقرة في أذهان الناس عن الصين بأنها دولة دكتاتورية توظف التكنولوجيا لقمع رعاياها ستكون بلا شك مما يعيق تقديم لغتها كنموذج عالمي.
الأفكار في المقال مثيرة جدا للاهتمام تمنيت لو كان هناك بعض التفاصيل عن الراحة اللغوية مثلا، فهو مفهوم جديد بالنسبة لي. والاهتمام المذكور بمشاكل اللغة في التنمية الاجتماعية في الصين يستحق الإشادة فعلا.
2
أحمد فتح الله
17 / 8 / 2020م - 2:18 م
أستاذ محمد
شكرًا لإضافتك المثرية للمقال...
ويسعدني صراحتك في الاختلاف معي عن عالمية اللغة الصينية.
الصينية قادمة...لكن ليست غدًا... أو بعد غد... الأمر يحتاج عقودًا وأجيالاً عددها يطول أو يقصر حسب قوة الصين وخططها، وأمريكا ومشاكلها.
أرجو الاطلاع على ‎هامش رقم (4) أعلاه، ففي الكتاب المذكور... ترى أن التاريخ يؤكد حتمية الدورة اللغوية في الإمبراطوريات التاريخية.
وفي المقال القادم يستعرض الخلفية التنظيرية والتخطيط العلمي في المسألة الصينية. أنا هنا لا أتخذ موقفًا عاطفيًًا أو آيدولوجيًّا مع لغة ضد أخرى ولا مع قوة ضد قوة، (رغم أني عربيّ الهوى لغويًّا)، أنا أصف حالة واقعية في التكون فقط، هل تكتمل وتتحقق؟ هذا سؤال تكشف الأيام عن الإجابة عنه. لكن الصينييون جادون في القضية وبعزم وعلم.
3
الشيخ عادل هادي
[ العراق ]: 17 / 8 / 2020م - 3:57 م
السلام عليكم...
عساكم بخير يا رب؟
الدكتور أحمد فتح الله المحترم، فتح الله عليك آفاق العلم والمعرفة؟
لقد قرأت مقالتك الأخيرة وأنها بحق نبض ومجس لبيانات المرحلة التي تمر بها الإنسانية لحظة بلحظة، فالصينيون داركون تمامًا مستقبلهم لهذا وجهوا بهذا الفريق الشبابي لكي يضعوا السطر الأول من اللغة الحركية التي تطالب بها الشعوب لفهم تحدياتها، وعلى هذا يكون تحليلك منطقيًا وفق الاستقراء.
وبهذا ستكون سلسلتك في لغة الفقه والفقهاء تحاكي نمط وتذوق القارىء أولًا وبالذات، وأن لا تلتفت إلى المنظور القديم، لعل فى لغتهم ما يُصعب فهم الحياة.
تاروت - القطيف