آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

وانتصرت الإنسانية‎

واقعة الطق تحفة إلهية رفد بها عقول ووجدان كل إنسان حر منصف، ينطلق من خلالها نحو عالم القيم ومهذبات النفس وفق العطاء الحسيني الذي تجسد في ذلك اليوم بكل تجلياته الكمالية، ومن نقصان الحظ وخسران النفس أن يتعامل المرء معها كحدث تاريخي - وإن كان منعطفا مهما - قد أفل ولم يعد له وجود إلا في بطون كتب التاريخ والتراجم، وكأن أصحاب هذه النظرة تناسوا مفهوم القصص القرآنية التي سردت أحوال الماضين بكثير من تفاصيل المشهد الواقعي، معللة هذا الاهتمام بذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة بأخذ العبر والأخذ بالعقول نحو النضج والرشد وتكوين الملكات والسلوكيات وفق هذا الطرح القرآني، وعاشوراء هبة ربانية لا تتعلق بمقطع زماني أو مكاني بل فاقت كل هذه التقاطيع؛ لتكون ومضا في عقول الأجيال المتعاقبة تتوارث منها قيم الكرامة والشجاعة والعبودية المطلق للرحمن وتجسيد التعاليم الإسلامية.

تسليط الأضواء الفكرية على واقعة الطف وبسطها تحت مجهر الاهتمام البشري ارتقاء لمستواها العالي، وانطلاقة في الأفق الحسيني المتحرك في النفوس فيبعث فيها كل ما يستنهضها من العالم المادي البحت؛ ولتكون هذه الأيقونة المتألقة مدرسة للأجيال تضرب بجذورها المتينة في أبعاد الشخصية المتعددة، ووظيفة كل عقل منفتح أن يتعاطى مع مدرسة عاشوراء وفق هذه المعطيات والأبعاد والنتائج، فهي تمثل امتدادا لسيرة الإصلاح المحمدية التي ارتقت بالنفوس وانتشلتها من عالم الرذيلة وسوء الأخلاق، إنها مسيرة صياغة النفوس ومدها بالقيم التي تجعل منها حركة أخلاقية تتعاطى مع المواقف بالقيم التربوية والتهذيبية، فالإمام الحسين أراد معالجة ما يعاني المجتمع من أمراض وآفات تنهش وتنخر عظامه، فالإرادات المكبلة بالهواجس والخوف جعلتها تستمرئ وتقبل بالخنوع والاستضعاف والإذلال مهما بلغت درجاته، إذ لما غابت عن النفوس الصورة الحقيقية للدنيا الزائلة وتحولت إلى الجنة المبتغاة وغاب السعي لحياة الخلود الأخروية، هانت النفوس وأخذت تتقبل كل صنوف الاستعباد.

واقعة الطف مدرسة القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية بأعلى درجاتها، إذ قد تمايز الفريقان في تلك الحادثة بما يحمله من فكر وسلوكيات تنم عن مرجعيته، فالإمام الحسين وأصحابه يمثلون مدرسة مكارم الأخلاق المحمدية التي أشرقت على الناس كافة بالكمال والفضيلة، وهذا يظهر فيم نقلته المصادر الحديثية والتاريخية من كلماتهم ومواقفهم التي تشهد لهم بالإيمان والصبر وقوة التحمل والشجاعة والتضحية، بينما حملت صفوف الباطل كل ألوان الرذيلة والانحطاط الخلقي.

لم يكن في هذه الحلقة من الصراع بين الحق والباطل سوى انتصار الدماء الزاكية على الظلم والجور، وذلك أن عاشوراء تجاوزت الحدث التاريخي الماضي؛ لتتحول إلى قبلة لعشاق الحرية والكرامة ينهلون منها الدروس والعبر كواقعة تحتاج إلى تأمل وتدبر في تداعياتها ونتائجها ومدلولات أحداثها، إذ في عاشوراء انتصرت الإنسانية المجيدة بكل شخوصاتها وأوجهها الحضارية التي تمس الفكر والوجدان، وسقطت التبعية العمياء ولغة الحقد والكراهية وذيول الطمع والتولع بحطام الدنيا الزائل.