آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:22 ص

صناعة مواقف المثقفين

محمد الحرز * صحيفة الشرق

تختلف مواقف المثقفين تجاه القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية حسب دوافعهم التي هي خليط من المصالح والمبادئ والقناعات. ناهيك عن طبيعة تلك القضايا والأزمات نفسها، وما تمثله من الأهمية بالنسبة للمثقف. من دون أن نغفل الرابط القوي الذي يشد تلك المواقف بالوضع السياسي، والتحالفات التي يصنعها بين قوى المجتمع وتياراته.

هناك مثقف تصنعه القبيلة، وآخر تصنعه الطائفة، وكذلك آخر تصنعه السلطة، وهناك نماذج أخرى يمكن إطلاق صفة البينية عليها، كونها في سلوكها ومواقفها تحتل فيها الطائفة والقبيلة والسلطة مساحة ليست بالقليلة، وفي ذات الوقت لا تتعرف على موضع تأثير كل منها، سواء في خطابه أو سلوكه أو طريقة تفكيره؛ حتى يمكن القول، من شدة ضبابية هذه المواقف، إنها شخصيات بلا ملامح عامة، أو متمايزة. ما يحركها من العمق هو تبدل رجحان كفة المواقف المرتبطة بالمصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين هذا الجانب أو ذاك، وما عداها ليست سوى ديكور يجمّل صورة المثقف، ويرممها كإطار خارجي.

واللافت للنظر عند تأمل هذه النماذج الثلاثة، في مجتمعنا السعودي، لا تجد تعبيراً صريحاً على مستوى الخطاب أو السلوك يدل على طائفية أو قبلية هذا المثقف أو ذاك، أو انحياز هذا المثقف ضد السلطة أو هو معها. هناك تيار إسلامي وآخر ليبرالي يشكلان عنوانين كبيرين، يتخذ في أغلب الأحيان مواقف وآراء، انطلاقاً منهما، مما يوحي للمراقب أو يظن أن الجدل القائم بين هذين التيارين لا يخفي أكثر مما يُظهر، وكأن ما يسمى بالمثقف الإسلامي هو حريص كل الحرص، أو أمين كل الأمانة على المبادئ الإسلامية التي وضعها لنفسه؛ كي تحدد هويته عند الآخرين، وما ينطبق على هذا المثقف الإسلامي ينطبق كذلك على المثقف الليبرالي.

إن هذا الإيحاء سرعان ما يتلاشى حين نفكك هذه المواقف، وننزع عنها طلاء ما هو إسلامي أو ليبرالي، ليتضح لنا في النهاية أنها مواقف لا تحيد عن ثلاثة: إما أن تكون قبلية أو طائفية أو سلطوية.

هذه المرجعيات هي جزء من أزمة، لا تتعلق بالثقافة القبلية أو الطائفية نفسها أو بعلاقتها بثقافة السلطة، وإن كانت هذه الثقافة مترسخة في الجذور، ولها أيضاً مشكلاتها التي لا يمكن إغفالها مطلقاً. لكن ما يجعل مثل هذه المرجعيات تبرز بشكل واضح حينما نزيح ذلك الطلاء، هو انحسار الخيارات الثقافية المتاحة للفرد منذ مراحل تشكله الذهني والعقلي والنفسي. يتفتح الفرد في ثقافتنا المحلية على خطاب ثقافي أوحد، الحقيقة المطلقة هي أهم أركانه التي يرتكز عليها سواء في نظامه التعليمي أو الاجتماعي، وما يعزز هذا التوجه هو غياب ظواهر مضادة في التفكير، ليس على مستوى الأفراد، بل على مستوى الرأي العام الذي يتشكل من مجموعة قوى وتيارات، جميعها تكون بمثابة محرك حقيقي، لإظهار فضاء من حرية تنوع الثقافات. نقول هذا الكلام ونحن نعلم تماماً ما تتيحه فضاءات التواصل الاجتماعي من فرصة كبيرة لتحقيق مثل هذا التنوع، وسهولة طرحه وتلقيه. لكن تشكل أي خطاب فكري حول أي ظاهرة يحتاج بالتأكيد إلى تفتح ذهني قائم أساساً على حرية التفكير كعقد اجتماعي، وينتشر بين الناس كتقليد علمي وأخلاقي واجتماعي، يمكن أن يتحول لاحقاً إلى إحدى أهم الركائز في بناء الدولة المعاصرة.

الذين رفعوا شعار الوحدة والمواطنة بين فئات المجتمع، على اختلاف أصولهم وتوجهاتهم وهوياتهم، اتخذوا مسار الحوار بين الطوائف، بل وحتى الأديان، حيث جرت على أثرها حوارات وطنية متعددة، رسمية وغير رسمية كذلك. لكن كل ذلك جرى تبعاً لهدوء الساحة السياسية، وانحسار الاستقطاب السياسي نوعاً ما في المنطقة، وحينما حدث الربيع العربي، وانفرزت أغلب المواقف لدى المثقفين على أساس طائفي تبعاً للصراع الدائر في المنطقة، حيث اتضح بما لا يدع مجالاً للشك غياب خطابات ثقافية يفتقر جوهرها للعقلانية القائمة على التنوع والتسامح والاختلاف. مما يفتح المجال لكل خطاب يدعم الصراع ويوظفه من العمق.

ربما ارتداد المثقف في بعض أحواله عن شعاراته الإسلامية والليبرالية من جانب آخر يعود إلى انعدام التقاليد الليبرالية العربية في الدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية، وأيضاً ضياع التنوير الإسلامي في متاهة المشاريع السياسية الفاشلة. فمنذ عصر النهضة الذي لم يتحول من الإصلاح إلى التنوير ظل المثقف التنويري عرضة للاضطهاد إذا ما تجرأ وطرح أفكاراً غير مألوفة وجريئة كما حدث مع المفكر طه حسين عندما ألف كتابه «في الشعر الجاهلي»، الذي لم يتجرأ حزب الوفد الليبرالي بقيادة سعد زغلول على الدفاع عنه، أو عن نشر أفكاره. وقبله حدث نفس الأمر مع المفكر الإسلامي علي عبدالرازق عندما نشر كتابه في العشرينيات من القرن المنصرم «الإسلام وأصول الحكم»، فالأزهر لم يدافع عن أفكاره، أو يحميه على الأقل، بل رأينا أنه فُصل من وظيفته، وبالتالي مُنع نشر الكتاب. فإذا كان البلد العربي الوحيد الذي استقبل الأفكار الإصلاحية والتنويرية من الغرب مبكراً، وأسس على أثرها حركة تنويرية وإصلاحية، لم يُكتب في جانب كبير منها النجاح، هذا حاله مع الأفكار التنويرية، فما بالك في بقية البلدان العربية، ومن ضمنها السعودية بالتأكيد.