آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 6:34 م

تراكم أخطاء الحزبية السياسية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

لا أحد في العالم العربي من مفكرين أو سياسيين أو مثقفين يجرؤ على القول بأننا نسير بمجتمعاتنا إلى مستقبل، كله تطور حضاري وثراء معرفي وازدهار اقتصادي.

لا أحد بإمكانه أن يغامر، ولو من باب الأمنيات أو الأحلام بعيدة المنال، ويركب موجة التفاؤل، ويصرخ بأعلى صوته بسلسلة من الشعارات الجوفاء والفارغة من المعنى كالوحدة العربية والأمة العربية والمقاومة ضد الإمبريالية الرأسمالية، وغيرها من تلك الشعارات التي ليس لها وجود إلا في أذهان معتنقيها من مخترعي الأيديولوجيات الحزبية السياسية.

كيف يمكن أن يتفاءل المرء وكل ما حوله خراب ودمار؟

لا تنمية اقتصادية ولا تطور علمي أو تربوي ولا ثقل سياسي مؤثر عالميا، بل حروب وصراعات ودسائس ومؤامرات، ناهيك عن انتشار الجهل والأمية والفقر والعصبيات الماضوية.

كيف يطمئن الباحث في الفكر أو السياسة أو الاجتماع أو حتى المبدع في مجاله الخاص، على قدرة ذكائه وعبقريته في الخروج بأقل الخسائر والتشوهات التي تطال نفسيته أو إرادته المعرفية والمعنوية والاجتماعية؟!

والاطمئنان المقصود هنا هو السياقات الحياتية التي يتاح فيها لكل تفكير، مهما كانت مرجعياته الثقافية والدينية، أن يبدع بحرية مطلقة وفق المسؤولية التي يعي حدودها.

وهذا أحد ضروب الثقة التي نتج عنها وضع التفكير الإنساني واجتهاداته الفلسفية والعلمية والسياسية والاجتماعية موضع التقديس باعتباره إحدى ركائز الحضارة المعاصرة.

إذن تلك السياقات الحياتية من تربية وتعليم وثورات في المجالات العلمية والعمرانية والطبية والفكرية والتاريخية، جميعها مسدودة الأفق، ضبابية الرؤية، ولا مؤشرات تشي بأن هناك انفراجات لا على المنظور القريب أو المتوسط.

إنها سياقات مشوهة تغلب عليها الفوضى وتراكم الأخطاء منذ استقلال البلدان العربية وتحررها من الاستعمار. ولا أريد أن أكرر الأدبيات المعروفة في الخطابات السياسية التي تربينا عليها ليل نهار عن الآثار المدمرة التي خلفها الاستعمار، والمؤامرات التي حيكت ولا تزال ضد الإسلام والمسلمين وقضاياه في التنوير والحداثة. ولا أريد أيضا تكرار مقولات تحيل أسباب تأخرنا الحضاري إلى عصبيات طائفية أو قبلية أو اثنية، وأن الدولة الحديثة كما تأسست في الغرب لا يمكنها أن تعيش في أجواء أو مناخات اجتماعية كهذه.

العلة ليست في عموم المجتمعات العربية وثقافتها، وإن كانت هذه تشكل نسبة. لكنها ليست بالكبيرة مقارنة بأسباب أخرى، وإنما في النخب السياسية التي أدارت دفة الحكم في البلدان العربية، بعد الاستقلال، بخلفية عسكرية حزبية، لا تفقه شيئا عن أبجديات بناء الدولة الحديثة.

في كتابه «مذكرات وزير عراقي» يشير وزير التخطيط العراقي جواد هاشم في حكومة البعث بعيد انقلاب 68م وتسلمه حكم العراق، إلى العديد من المواقف والأحداث والشخصيات عبر تجربة ثرية قضاها كوزير وكرجل بعثي عرف الكثير عن رجالات الحزب كأحمد حسن البكر وصدام وطه ياسين رمضان وغيرهم. لكن من الأمور الدالة في سرده للأحداث والوقائع أن من جاءوا إلى الحكم، عبر قطار الأحزاب، وتسنموا مناصب مهمة في الدولة، لم يكونوا سوى جهلاء، لا يفقهون شيئا في أمور بناء الدولة الحديثة ولا يميزون بين حدود صلاحية الحزب وحدود صلاحية الدولة، وقد ضرب العديد من الأمثلة على مثل هذا الجهل الفاقع. ناهيك أيضا عن النزعات الطائفية والمناطقية والعشائرية التي تختفي خلف مجموعة من القيم الحزبية كالأمة العربية والتحرر من الهيمنة ومواجهة الاستكبار والنهوض بالتنمية، التي جميعها ليست سوى واجهة ليحقق هذا أو ذاك مصالحه الخاصة ومصالح أقربائه.

هو يتحدث عن عقود من السنين، لا سنة أو اثنتين، كان القرار السياسي بيد هؤلاء. تراكم الأخطاء هو ما أوصلنا إلى مثل هذه الحالة، لا الاستكبار العالمي ولا الإمبريالية.