آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 5:46 م

فتح كربلاء ”9“

محمد أحمد التاروتي *

وضعت معركة كربلاء نهاية حقيقية لتاريخ بني امية، فالجهود التي بذلتها الدولة الاموية طوال السنوات الماضية، لارساء صورة ”ناصعة البيضاء“ في ذاكرة التاريخ الاسلامي، ذهبت ادراج الرياح بشكل تدريجي مع مرور الزمن، خصوصا وان انكشاف الوجه الاخر للدولة الاموية، اوجد حالة من الامتعاض والنقمة الشديدة، حيث تجلى في المواقف الرافضة، لتمرير جريمة قتل سيد شباب اهل الجنة ، مما أوجد عاملا مساعدا وفاعلا، في سرعة انهيار ملك يزيد بن معاوية، في غضون ثلاث سنوات، الامر الذي مهد الطريق لانتشار ”الامارات“، في بعض أجزاء من الدولة الإسلامية لفترة زمنية.

كشف التضليل الإعلامي الاموي، لم يقتصر على مدينة الكوفة، حيث امتد لعاصمة الدولة الاموية دمشق، فموكب سبايا اهل بيت النبوة وضع منهجا واضحا، في تحريك الضمائر الحية، من خلال اسقاط ورقة التوت التي تستر عورة بني امية، الامر الذي تمثل في موقف الامام السجاد في الرد على كلام الشيخ الشامي اثناء دخول موكب السبايا للشام، فالشيخ الشامي قال ”الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح الرجال من سطوتكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم!“.

قال له الإمام زين العابدين : ”يا شيخ هل قرأت القران؟“.

فقال: ”نعم قرأته“.

قال : ”فعرفت هذه الاية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القُربى 1؟“.

قال الشيخ: ”قرأت ذلك..“.

فقال : ”فنحن القربى يا شيخ! فهل قرأت في“ بني إسرائيل ”﴿واتِ ذا القربى حقه؟“.

فقال الشيخ: ”قد قرأت ذلك..“.

قال : ”نحن القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الاية: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؟ فنحن ذو القربى يا شيخ، ولكن هل قرأت هذه الاية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا؟“.

فقال الشيخ: ”قد قرأت ذلك“.

فقال : "فنحن أهل البيت الذين خُصِصنا باية الطهارة.

هذه القصة تكشف حجم التضليل الإعلامي الذي مارسه يزيد بن ابي سفيان لتغييب عقل اهل الشام تجاه حقيقة معركة كربلاء، من خلال بث الدعايات المتعلقة بهوية موكب سبايا اهل بيت النبوة ، فالإعلام الاموي اشاع ان السبايا من الخوارج، بيد تلك الدعايات الإعلامية المضللة سرعان ما تهاوت مع المواجهة المباشرة مع اهل البيت .

ادراك يزيد بن معاوية لخطورة بقاء الامام السجاد ، ونساء اهل البيت لفترة طويلة، يشكل خطورة كبيرة على الاستقرار الداخلية، ويسهم في إزالة الكثير من المفاهيم المغلوطة تجاه تاريخ بني امية، حيث سعى بكل السبل لاسكات الأصوات، وإبقاء التضليل الإعلامي لفترة طويلة، من خلال اعادة ركب السبايا الى المدينة المنورة، والحرص على إبقاء الامام السجاد ، بعيدا عن البيئة الاجتماعية الشامية، بالإضافة لمنع الاحتكاك المباشر مع الامام السجاد، وجميع السبايا طيلة فترة المكوث في الشام، نظرا لخطورة التواصل المباشر على المستقبل السياسي للدولة الاموية، خصوصا وان الدعاية الاموية كانت تتحدث عن خروج الامام علي عن الإسلام، وغيرها من المعلومات المكذوبة التي تروجها الماكنة الإعلامية الاموية.

بالإضافة لذلك فان محاولات الدولة الاموية تبرير جريمة قتل الامام الحسين ، وجدت حائطا قويا من الوعي المتزايد لدى الامة الإسلامية، فالمعركة الدامية أحدثت صدمة كهربائية، في الوعي الاجتماعي لدى الامة الإسلامية، مما ساهم في إزالة الكثير الضبابية عن العقول الحية، الامر الذي تمثل في محاولات تصحيح الأوضاع الخاطئة، عبر الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع الدولة الاموية، وكذلك نشر اهداف النهضة الحسينية عبر المنابر الإعلامية المختلفة، حيث شكل الشعر ابرز ملامح تلك المساعي الصادقة، مما ازعج اركان السلطة الاموية عبر ملاحقة الشعراء، والعمل على اسكات تلك الأصوات، فتارة عبر الشراء المباشر للشعراء،، وتسخير الأقلام المأجورة لنشر فضائل الدولة الاموية، وتارة أخرى عبر القمع، واعمال السيف على رقاب الشعراء.

تبيض صفحات يزيد بن معاوية في التاريخ الإسلامي، احدى الأساليب المستخدمة لمقاومة الصدى الكبير للثورة الحسينية، فالسلطة الاموية تحركت منذ اليوم الأول لتولي يزيد بن معاوية مقاليد السلطة، لرسم صورة جميلة لـ ”الخليفة“، خصوصا وان السلوك الأخلاقي ليزيد بن معاوية ليس خافيا على الجميع، وبالتالي فان العمل على تصحيح تلك الصورة القبيحة لخليفة المسلمين الجديد، يتطلب الكثير من الجهود والمزيد من العمل، من خلال شراء الذمم واستقطاب الأقلام المأجورة، بهدف رسم صورة مغايرة وغير حقيقية، للسلوك الأخلاقي ليزيد بن معاوية، بمعنى اخر، فان الجهود الكبيرة وبذل المزيد من الأموال، لتصحيح السلوك الأخلاقي ليزيد بن معاوية، ذهبت ادراج الرياح، نظرا لاكتشاف الامة الإسلامية الطابع الدموي للدولة، من خلال الاقدام على ارتكاب ابشع جريمة سجلها التاريخ الإسلامي، بحق الامام الحسين، والثلة الصالحة من اهل بيته، وأنصاره يوم عاشوراء.

وقال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم ”اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح“.

كاتب صحفي