آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

صفقة لوز بأربعين ألف ريال

أثير السادة

يوما بعد يوم يثبت اللوز بأنه كالدولار، لا يعرفه الهبوط، وإذا ما هبط عاد وصعد ثانية كحصان رابح في سوق الفواكه الموسمية.. أحواله لا تشبه أحوال الرطب مثلا، والذي ما أن يرتفع صوته في السوق حتى ينخفض ولا نسمع إلا صدى الخسائر للذين يطمعون في سعر يعوضهم تعب الماء والتربة والتنبيت وغيرها من فصول وطقوس تتصل برعاية النخلة، يقف صندوق الرطب في السوق كقارب سكران في لجة البحر بينما اللوز لا تهزمه الريح ولا حتى وفرة المعروض في ذروة السوق.

يدفعك هذا الصمود الطويل لثمرة اللوز على مؤشر السوق للسؤال عن الأسباب التي تعطيه كل هذه القوة، خاصة وأنت ترى بأن زاويا الشوارع بامتداد القطيف وصولا إلى الدمام وقد تزاحمت بوجوه الباعة الموسمين، يعرفون مواعيدهم كما يعرفون زبائنهم، وكل ذخيرتهم في التسويق: إذا فيه دود رجع وخذ فلوس!.. الوجوه المحلية من الباعة ستقتصر على وسط شارع المحيط وبعض أطراف شارع الرياض، بينما النسبة الغالبة من فرسان الموسم هم العمالة الآسيوية، ممن يحلو لهم افتراش الظهيرة، ووصل الليل بالنهار، طمعاً بعابر من ذاكرة اللوز، قد تهزه الذكرى فيقف على أطلالها ويشتري بعشرين وثلاثين وأربعين ريالا.

قلت بأن وفرة المعروض لا تؤثر إلا قليلا على أسعار اللوز، وهذه وحده يكفي للشك بأن هنالك معادلة أخرى غير المعادلات المعروفة في اقتصاديات السوق، يحدثك بعض الباعة عن شغف الناس بهذه الثمرة، وعن علاقتها بأشهر الوحام، وعن الطعم واللون وأشياء كثيرة لا نراها غير أنها لا تكفي لتفسير هذا الحضور الملكي للوز، حضور يجعل الكثيرين يترددون عن الشراء كلما سألوا عن سعر الصندوق، لأنه ببساطة أغلى من أي فاكهة أخرى مستوردة.

وجدت بعضاً من مفاتيح الجواب قبل عام في حديث عابر مع أحد الأصدقاء، حين روى قصة شراء العمالة الاسيوية لبستان كامل من اللوز في تاروت بقيمة 40 ألف، يدفعون لصاحب المزرعة ما يكفيه تعب التفكير في التسويق والبيع، وبعدها يتابعون الثمار في غصونها، إلى أن يحين القطاف الوفير، الفقراء الذي يبعثون على التعاطف وهم ينظرون إلى اليمين واليسار بحثا عن طيف زبون اختاروا جمع مذخراتهم لشراء هذا اللوز الموزون بميزان الذهب، ريال فوق ريال، ورفيق يدعو رفيقا آخر، لتكتمل تحويشة العمرالتي لن يذهب بها لسوق الأسهم بل لسوق اللوز.. حملت هذه الرواية التي ظللت أتأملها طيلة عام، وجربت قبل يومين سؤال عامل آسيوي كان يقف في أطراف الدمام، فتحت نافذتي ونظرت للوز الزاهي بألوانه، وقلت من أين هذا اللوز فرد من تاروت، فأدرت الحديث باتجاه القصة المذكورة، وحدثته كعالم غير معلم، بأنهم اشتروا هذه المزرعة ب40 ألف، فهز رأسه بالإيجاب…واسترسل في الحديث مذكرا بتعب القطف والترتيب والتهيئة لتصل إلى هذه النقطة من نقاط البيع.

هذا يؤكد على أن الكثير من محصول اللوز لا يباع داخل السوق، ولا يدخل في حساب العرض والطلب المتعارف عليه، وأن طيفا كبيرا من هذه العمالة يسند هذه الأسعار بيديه ورجليه، كما يسند صناديقه، من أجل أن يضمن عودة الأربعين ألف ريال أضعافا مضاعفة، وأن محصول القطيف يهرب منها باتجاه مدن أخرى ما يساهم في تخفيف الضغط على المعروض فيها، ويحافظ بالتالي على توازن الأسعار، لصالح البائع والمستثمر طبعاً، بينما الناس مازالت تفكر كيف تقطع الطريق على غلاء الأسعار هنا بزرعة “عنقيشة” هناك بجوار البيت أو داخله!.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو حسين
[ القطيف - تاروت ]: 1 / 9 / 2020م - 11:49 م
نعم يا أستاذ أثير، البنقالية يشترون ثمار مزرعة كاملة من اللوز بأربعين ألف ريال وربما أكثر من ذلك.. أنا لا أستبعد أن تكون هذه التجارة هي مجرد غطاء للمتاجرة في الممنوعات من وراء الستار.. تجد البنقالي يبقى جالساً لساعات طويلة في هذه الأجواء الحارة، وربما لا يبيع من بضاعته الا الجزء القليل، لأن الكثير من الناس تتخوف أن اللوز قد لا يخلو من الدود، ويكفي أن البنقالي طيلة وقت جلوسه وهو يقلب حبات اللوز بيده ويعيد تصفيفها ألف مرة ليخفي الرديىء ويبرز الجيد في المقدمة.