آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 8:19 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حواريّة: ”كشف الصّدر في العزاء“ «الحلقة الثّالثة - الأخيرة -»

زكريا الحاجي

في الحلقة السّابقة توجّه إبراهيم بسؤال شخصي، مُستفسراً عن وجهة نظره الشّخصيّة في هذا النّوع من العزاء:

• علي: في القضايا الفقهيّة الإستنباطيّة لا توجد وجهة نظر لغير الفقيه، ويجب على أمثالي مراعاة الضّوابط الفقهيّة، ومع ذلك أنا لا أستسيغ ولا أؤيّد هذا النّوع من العزاء على التلفاز، أو الأماكن المفتوحة كالطرقات العامة.

• إبراهيم، وهو مندهش: عجيب!!.. بعد كلّ المبرّرات العقلائيّة التي ذكرتَها؟!

• ‏علي: نعم، كان حديثي عن نفس ممارسة هذا النّوع من العزاء، ولكن عندي تحفّظ من جنبة إجتماعيّة: لا أتفق مع سياسة بعض القنوات في إظهار هذا النّوع من العزاء، حتى لا يُحرم قِسم كبير من المشاهدين النّساء، وهذه وجهة نظر إجتماعيّة وليست قضيّة يتوقف عليها استنباط فقهي.

بل لا أؤيّد أيضاً الإصرار على هذا النّوع من العزاء في داخل الحُسينيّات والأماكن العامة مع وجود فئة كبيرة ممّن لا يستسيغوا ذلك ولو بسبب خلفيّاتهم الثّقافيّة - هذا كلّه في حال التمظهر وليس التفجّع الواقعي فذلك ليس محلّ اختيار للفاعل - فلابد عندما نريد أن نتمظهر بالحُزن والتفجّع لا نزاحم بذلك الآخرين ولا نفسد عليهم المجلس، ونراعي الأجواء العامة المشتركة، لا سيما أن مظاهر العزاء مرنة ويمكن أداؤها بطرق مختلفة، وليس الأمر كما في الحجّ فهو مُضيّق ومقيّد.

نعم، لو كان الغالب بنحو كبير من الجمهور في الحُسينيّة هم ممّن يكشفون الصّدور في العزاء، فعلى الأفراد القليلة جداً أن لا يُزاحموا تلك الأغلبيّة بفارق كبير، فإذا لم يستسيغوا هذا النّوع من العزاء، لهم أن يخرجوا إلى مكان آخر طالما أنّهم مجرّد كم فرد فقط.

• إبراهيم: عجيب أمرك يا علي، تستشهد بالحجّ في التأييد والرّفض؟!

• علي: نعم، ولا تنافي في ذلك، لأنّني ذكرتُ لك الحجّ لأنّه يُشابه هذا النّوع من العزاء، باعتبار كلاهما طقوس عباديّة، وكذلك كلاهما تتكشّف فيه الصّدور؛ وما ذلك إلا لدفع الاستغراب والاستهجان، تارة بمثال من داخل الدّين كما في الحجّ، وأخرى من خارجه كما في السّيرة العقلائيّة للمجتمعات البشريّة مع بيان شيء من فلسفة الطقوس.

ولو أردنا الإنصاف يا إبراهيم، التفكير بهذا المنطق الإستهجاني، يجعل من شعيرة الحجّ تفوق العزاء في الإستهجان عندما نستعرض تفاصيل المناسك.

كما أنّني استشهدتُ بالحجّ في رفض هذا العزاء في الحُسينيّات مع وجود مجموعة ليست بقليلة لا تتفاعل معه؛ من جهة عدم التقيّد، باعتبار أن مناسك الحجّ مضيّقة ومقيّدة من الشّارع المقدّس، وخياراتنا محدّدة ومفروضة من الدّين، ولا مجال لإتخاذ سلوك آخر، وأمّا في مثل العزاء فهو عُرفي، ويمكن التعبير عن الحُزن والتفجّع بعدّة طرق، سواء في اللطم أو اللباس أو الأطوار، ويختلف فيها النّاس بحسب خلفيّاتهم الثّقافيّة، وأذواقهم الشّخصيّة، والمهم هو مراعاة الضّوابط الفقهيّة.

وأمّا أنا شخصيّاً لا أجدني ممّن يفعل ذلك، بل لا أتفاعل معه، ولكنّه موقف شخصي لا يصحّ أن أفرضه وأُسقطه على غيري، ولعلّه ناشيء من ذوق أو عوامل نفسيّة أخرى كالخجل وغير ذلك، ومعارضتي لهذا النّوع من العزاء، من جهة الأولويّة الإجتماعيّة وليست الشرعيّة.

• إبراهيم: شكراً يا علي على سعة صدرك، وأعتذر إذا ما أخذت من وقتك.

• علي: العفو، وأنا فعلاً أستمتع بمثل هذه التساؤلات، لأنّها تفتح لي أبواباً جديدة، وتستدعيني للتفكير في جوانب أخرى قد أكون غافلاً عنها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 13 / 9 / 2020م - 10:16 ص
بعض الناس يقع في الفخ من حيث يعلم أو لا يعلم، ومنهم بعض الكتّاب في الإعلام، حيث يأخذهم الحماس إلى درجة إبداء الرأي في مقابل رأي الفقيه ودون مراعاة للضوابط الشرعية..!!..