آخر تحديث: 1 / 10 / 2020م - 7:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

سيبقى علامة استفهام؟

سوزان آل حمود *

إذا كانت الأفراح جزءا من الحياة فالأحزان جزء منها أيضا، لكن إذا كان الناس في غالبا لأحيان يُعبّرون عن فرحهم بشتى الطرق والطقوس، فإن كثيرين يخفون أحزانهم وآلامهم، ولا يتحدثون عنها، حتى إلى أقرب الأشخاص إليهم، فيكتفون بإخفائها، لأسباب مختلفة.

للحياة تقلبات كثيرة، ويعني ذلك أن الحياة ليست دوما جميلة، كما يريدها المرء، ويحلم بها. فتلك سنة الحياة. ولأن الإنسان يملك المشاعر والأحاسيس فهي تظهر رغم أنفه على ملامحه، والحال أن البعض يظن أن الحزن أو الألم الذي يخفيه بداخله لا أحد يستطيع أن يراه أو يلمسه. فالشخص الذي يخفي حزنه ربما يدرك أن الآخرين يشعرون بأنه حزين، لكنه يحرص على إخفائه عنهم، اعتقادا منه أن الأمر يهمه وحده، أو ليقينه أن الآخرين لا يفهمونه.

كانَ علامةَ استفهامٍ مُتحرّكة، مُبهمًا رغم وضوحه، مهما تحدّث لا يُفصح عمّا بداخلِه، مهما بدا عليهِ الألَم نعرفُ أنّ ما خفي كان أعظَم.

كانَ ذاته، ونادرٌ أن يكون المرءُ نفسَه في زمنٍ لا نرى فيه إلا مسوخًا، لم يكن مفتقدًا لشيءٍ ليتحلّى بهِ في ثوبِ غيرِه، ليسَ كاملًا، ولكن في نقصانِه كمَال..

لم يكُن يومًا إلا نفسَه التي لم يعرفهَا ولم نعرفهَا، ولكن ما أدركناهُ أنه نادرُ الوجودِ، محصّنٌ ضدّ التكرار، بعيدٌ كل البعدِ عن أن يكونَ إجابةً لسؤالٍ فيه، يطرحُ لكَ أبعاد شخصه، مع علمِه بمدى وقوع أثرها فيك، يبيّن لكَ كلّ ما يدورُ في نفسِه، لتخرجَ من النقاشِ لا تعلمُ منهُ مقدار حرفٍ، كالماءِ لا تحكمُ قبضته، لا تستطيعُ الحكم عليه في شيءٍ ولو نصّبت له محاكمات عدّة، لا تستطيع اتّهامه، وكذا لا تستطيع تبريئَه..

هو المتّهم الوحيد، والبريء الوحيد، وعلامةُ استفهامٍ كبيَرة، لا ينجو منها ناجٍ بعقلِه، ولا يلجهَا ناضجٌ يعرفُ قدرَ ما يلجُ، ويخشَى محدّثهُ أن يُفتكَ بمُهَجه، أو أن يُسلب فكرهُ أو أن يُستبدَل مبدؤه، أو أن يُذهبَ بهِ كلّه لدربٍ غريب! لا يشبه دروب العاديّين، دربٍ يمتلك مفاتحهُ علامةُ استفهامٍ كبيرَة، واضحةٌ وضوح الشمسِ غامضةٌ حنياها غموضَ الليل البهيم.

لن يجودَ الزمانُ بمثلِه مرّتين.

كثيرٌ منا يتمنى لو أنه يعرف ما يجول بخاطر ذلك الشخص والذي لا يُظهر كثيرًا ويخفي ردات فعله حتى في أبسط المواقف،

يَستوقِفني الصَّمتُ للحظات، ويَهمِس إليَّ ببعضِ التَّساؤلات، وبيْن هذا وذاك تدور الأفكارُ والكلمات، كم يُخيف الصَّمتُ حين ينفرِد بنا! ويَضَعنا للحظاتٍ تبدو لنا قُرونًا أمامَ أنفسنا، وضمائرِنا المُغمى عليها، كثيرةٌ هي خَيْباتنا، وآلامُنا الصَّادِقة، وأفراحُنا الوهميَّة، كثيرةٌ هي آمالُنا المنتكِسة، وأحلامُنا الموءودة، تَكتُبنا بكثيرٍ من الأحمرِ والأسود، وبقَليلٍ مِن الأبيض، فنستصغرها أحيانًا حينما نختارُ لها ألوانًا أخرى لنَكتُب عنها، ربَّمَا لنداوي أنفسنا مِن جرْحها حينما يُشاركنا غيرُنا نُزيِّفها، رُبَّما، ونظلُّ نبحث بيْن طرفَي الشراكةِ، وطَرفَي الأمَل عن بلْسمٍ ما يُخفِّف عنَّا وطأةَ الوجع مؤقتًا.. إلى حِين.

نأملُ ألّا يأتي اليومُ الذي نتنازلُ فيهِ عن كتابةِ ما يرضي قلوبَنا، لكتابةِ ما يرتضيه الناسُ ويتقبّلونه!