آخر تحديث: 1 / 10 / 2020م - 7:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخيارات Choices

المهندس أمير الصالح *

لكل منا هامش لمجموعة خيارات تبدأ مع اشراقة شمس كل يوم من ساعة الاستيقاظ صباحا وحتى آخر لحظة من كل يوم. ففي اول لحظات الاستيقاظ يقوم الانسان بعملية خيار بين ان يفطر اولا او ان يستحم، وفي حالة اتخذ خيار الافطار فهو ايضا في مفترق طرق في ان يفطر في البيت او المطعم او البوفية او مكتب عمله وكذا الحال لاختيار نوع الفطور بان يتناول كورن فليكس مع الحليب مثلا او فطيرة لبنة بالعسل او ساندويتش بيض مسلوق او صحن فول بالحمص، وهل يحتسي شاي ام قهوة ام عصير طازج ام ماء. وهكذا خيارات متعددة ودواليك قرارات الى نهاية كل يوم عملية مستمرة وبعض اضحى روتيني. ولعل البعض يكون لديه سقف الخيارات ممتد الى امور متعددة، كأن يعمل في شركة قريبة من منزله او ان يعمل في منطقة اكثر دخلا ولكن بعيدة عن مدينته او بلاده. وهناك مناطق في العالم حيث يكون سقف الخيارات لدى ساكنيها يمتد الى خيار الادلاء بصوته لترشيح هذا الشخص او ارساء مشروعية ذاك الشخص الاخر او يحتجب صوته عن الانتخاب. وهناك اناس آخرون يمتلكون من المال والقدرة على ان يختارون في ان يصطافون في البلد الاوربي الفلاني او البلد الاسيوي العلاني او خوض تجربة السياحة الداخلية ببلدانهم.

وجود خيارات كثيرة ووفيرة لذات الشخص في انجاز الاعمال او انتقاء الطعام او التعبير عما يختلج في نفسه بوسائط مختلفة او الترفيه بطرق متعددة او التنقل المتعدد يرمز لوجود هامش حرية اكبر وسقف اعلى من ارضاء الذات ونمط شائع من انماط مفهوم الحياة السعيدة لدى الاغلب من الناس. الا ان هبوب رياح الجائحة الحالية حد بشكل كبير من عدد الخيارات المتاحة للأغلبية من الناس في بلدان عديدة، فالتنقل بين الاماكن او الدول اضحى محصور وبالتبعية التبضع من بعض الاماكن التجارية اضحى شبه محجوب والتنقل بالطائرات اصبح غير متوفر حتى اشعار آخر وامور اخرى توارت عن المناولة. مع وجود خيارات اقل او انحسار المتاح سابقا، ما هو الصنيع الامثل لتجاوز حالة الاحساس بانكماش الحرية في الخيارات وبالتالي ضمور سقف الاحساس بالسعادة لدى الكثير من الناس في العالم.

كتاب "فن الاختيار - Art of Choosing“ لمؤلفته Sheena Iyengar تورد معالجات مبنية على تحليلات ثقافية وتاريخية ونفسية. والكاتبة تعيد قراءة تقلص الخيارات بزوايا مختلفة وعلاقة ذلك لمفهوم الحرية والسعادة. وايضا هناك نقاشات تُطرح على مستوى فكرة تعدد الخيارات وفكرة قوة التحكم. على سبيل المثال في العقد الزمني ما قبل السابق كان الناس يشاهدون محطات التلفزة الارضية المحلية، اما الوقت الراهن فالخيارات المتاحة للمشاهدة من خلال شاشة التلفاز تتجاوز المئات من القنوات الفضائية عبر الاقمار الصناعية، فضلا عن توفر قنوات الافلام التجارية المتخصصة عن طريق بعض المزودين مثل النتفلكس او قنوات اليوتيوب المتنوعة والتي تجاوز عددها الملايين من القنوات بين قنوات شخصية وغيرها. الا ان مع كثرة الخيارات في القنوات الفضائية التلفزيونية المتاحة في عصرنا الحالي، اصبحت بعض العوائل على الصعيد الجماعي اكثر تشرذما وتعددت فيها الاستقطابات الترفيهية وتتجلى صورة التفتت بوضوح عند انعقاد تجمع اسري ويصل اللقاء فترة اختيار مشاهدة فيلم او برنامج علمي. وهنا ينطرح سؤال على الصعيد الجماعي، هل تعدد الخيارات وتوفرها بكثرة يعني حرية وسعادة اكثر ام ليس بالضرورة يحمل ذلك المعنى. لن اخوض في كلام علماء النفس ولكن هناك مدارس بحثية تطبيقية ترجح كفة فحرة على الاخرى. بالمحصلة والتي فهمتها شخصيا من ذلك الكتاب المشار اليه، يتحتم على الانسان تدارس والتكييف مع الخيارات المتاحة له موضوعيا حتى في زمن الجائحة العصيب لاستنطاق الخيار الافضل طبقا للظروف والمكان والزمان وليس طبقا للوفرة وعليه يتحتم تلمس بعض الحرية وبعض من السعادة بالحدود القصوى من خلال تلكم الظروف وتلكم الخيارات.

على المستوى الصحي والنفسي هناك دراسات بريطانية اوردتها الكاتبة في كتابها المشار اليه، تزعم تلك الدراسة بان من يتخذون او يتحكمون في قرار انتقاء الخيار هم اكثر شعور بالارتياح والصحة النفسية من اولئك التابعين او من يقع عليهم تبعات الخيار. ومن هنا نشيد بفكرة وجوب ترك فسحة من الخيارات للأبناء في اتخاذ قرار نوع الفيلم الذي يودون مشاهدته في عطلة نهاية الاسبوع مثلا، او فتح خيار وقت اداء واجباتهم الدراسية بعد تحديد اطار عام للوقت المتاح. وهكذا الامر بالنسبة للأمور الاخرى ذات المخاطر المحسوبة.

المحفز النفسي والمشاركة في انتقاء الخيار وتخيل تبعات انتقاء الخيار. تعطي للإنسان ذو الصلة قيمة فاعلة للمشاركة في نحت الخيار مع كل الاطراف ذات الصلة. قلة او محدودية الخيارات تعد في بعض الظروف عامل مساعد في زيادة المثابرة للشخص بل والبعض يرى خيار ”ان اكون او الا اكون“ افضل من وجود خيارات عديدة اقل مناجزة وتحفيز. ولعل المثل الشعبي ”من خيرك حيرك“ له مصاديق لمن لا يمتلك قوة الحزم والعزم في صناعة اتخاذ القرار وانتقاء الخيار. في ظل الجائحة وتقلص فرص الوظائف، ابناء الجيل الصاعد بإمكانهم استنطاق تجارب المُعدمين النازحين من مناطق ساخنة في العالم. البنغلاديشي المحتاج والهندي المعدم والسنغالي الفقير والافغاني المحطم والموزمبيقي المفلس والغاني البائس توجه بعضهم الى بلدان الخليج او مناطق اوربية لانعدام الخيارات في مواطنهم وحققوا احلامهم برفع شعار ”ان اكون او الا اكون“.

ملف الخيارات بين المحدود والممدود موضوع ذو شجون وقد يطول الخوض فيه. فمثلا خيار اختيار الزوجة بالنسبة للرجل او العكس، واختيار طبق الطعام من قائمة الطعام بالمطاعم واختيار مجال التخصص الجامعي بالنسبة لطالب الثانوية وانتقاء محطة السفر بالنسبة للسائح وتحديد مكان التسوق اليومي بالنسبة للمتبضع واصلاح الاجهزة المنزلية بيد الشخص او العامل وانتخاب مكان السكن الدائم واختيار مجالات الاستثمار للمستثمر. ولعل مقالة واحدة لا تفي بكامل المحاور الا انني وجدت من الجميل التعرض للموضوع بهدف خلق نماذج تصور معالجة والمساهمة في رفع معنويات ابناء الجيل الصاعد والدفع بهم لتجاوز مخاض المعترك الحالي والحث على التطبع باكتشاف الخيارات المتاحة مع كامل المراعاة لعامل الزمكان. بالمحصلة اذا لم يكن الشخص مجبور او مجرد عنه صلاحية التحكم في انتقاء خياراته، فان كل منا يستطيع ان يستكشف ومن ثم يقرر ويتحكم في خياراته لجعل حياته اكثر سعادة. ان اخذ كل شخص منا زمام المبادرة لفعل ذلك وركز جهوده في ذلك السبيل فالخد الادنى من اليقين هو المسير على بصيرة اكثر. وراحة بال اجمل.

في الختام، قد يكون من العمل الحسن ان يقوم كل شخص بتشخيص ذاتي لنفسه لتحديد نوع شخصيته واطر تفاعله في مضمار الخيارات وهل هو ساع لصنع خيارات افضل لنفسه واستكشاف افاق اعلى ام انه يكتفي بما وضع الاخرون له كخيارات. وهل انت، انا، هو نتقبل / تتقبل ما يشخصه الاخرون لك كخيار ام انك تؤمن بان صاحب الخيار هو انت لكونك من سيعيش ويدفع ثمن تبعاته. استكشاف كامل الصورة ودراسة كل الخيارات والتركيز على ما يمكنك التحكم فيه وبذل الجهد لتبنيه، امر يزيد من كفاءة الانتاج للفرد وتحقيق اهدافه. واختم بالسؤال: هل فكرت بما هي خياراتك التي تود ان تمضي قدما بها ما بعد انقشاع وباء كوفيد؟