آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

الخوف.. التنازلات

محمد أحمد التاروتي *

الخشية من العواقب الوخيمة تدفع البعض لتقديم تنازلات مؤلمة، وغير متوقعة لدى الخصم قبل الصديق، فالتهديد والتلويح بالعصا الغليظة وسيلة الخصوم، في الحصول على مكاسب عديدة في الغالب، واحيانا لايقاف الطرف الاخر عند حدوده، الامر الذي يفسر حالة السكون ”التام“ بمجرد وصول الرسالة، من فحوى تلك التهديدات الشديدة ورفع الصوت عاليا، بحيث يتخذ كل طرف كافة الاجراءات الاحترازية، من خلال الالتزام بالحدود والخطوط المرسومة لابقاء الاوضاع، خصوصا وان تحول الحرب الباردة الى صراع ساخن، يضع جميع الاطراف في مواقع لا تحسد عليها، الامر الذي يستدعي استخدام لغة التهديد، كوسيلة فضلى لجميع الخصوم.

الرهبة الشديدة من انتقام الخصم، وتهويل العواقب المترتبة، على تجاهل التهديد المباشر، يدفع احد الاطراف للاقدام على خطوات كارثية، وغير متوقعة لدى الخصم، مما يمهد الطريق لممارسة المزيد من الضغوط، ومحاولة انتزاع الكثير من التنازلات، لتسجيل المزيدة من النقاط، لاسيما وان التنازل الصغير يقود لمزيد من التنازلات الكبرى، فالعملية مرهونة بالقدرة على الاستثمار الصحيح لتلك التنازلات، بمعنى اخر، فان الخوف الكبير من الخصم مرتبط بالحالة النفسية، وعدم القدرة على قراءة الواقع، فضلا عن تجاهل مراكز الضعف ونقاط القوة لدى الخصم، مما يسهم في محاولة التخلص من التهديدات، بشكل سريع عبر الاستجابة المفاجئة للكثير من المطالب، وحرق كافة الاوراق الرابحة، باعتبارها الوسيلة المناسبة للنجاة، والدخول في خانة الصداقة مجددا.

الحصول على الرضا، وامتلاك صك البراءة، عملية غير مضمونة بمجرد تقديم التنازلات الكبرى، لاسيما وان الخصم ينظر للاستجابة كنوع من الضعف، وليس تعبيرا عن ”حسن نية“ لتصفية القلوب، الامر الذي يدفعه لرفض كافة المبادرات لاعادة المياه الى مجاريها مجددا، خصوصا وان القوي يفضل التحالف مع الأقوياء، لتشكيل فريق متجانس قادر على مواجهة الخصوم، فيما يرفض مد يده للضعفاء، نظرا لعدم وجود محفزات حقيقية للشروع في بناء تحالفات، مع اطراف ليست قادرة على حماية نفسها، وبالتالي فان التنازلات تمثل مغامرة كبرى، وخطوة غير محسوبة النتائج، نظرا للقراءة الخاطئة لدى الخصم تجاه الاهداف الكامنة، وراء التنازلات المقدمة.

خطورة التنازلات تكمن في خيبة الامل المصاحبة لهذه الخطوة، فالكثير من الاطراف المؤيدة ستجد نفسها مكشوفة الظهر في مواجهة الخصم، مما يجعلها في صراع محسوم النتائج، وبالتالي فان تداعيات التنازلات لا تقتصر على اصحاب القرار، وانما تنسحب على البيئة الاجتماعية الحاضنة، خصوصا وان الشعور بالانكسار يولد حالة من الغضب، والحسرة في الوقت نفسه، بحيث يبرز على شكل مواقف انفعالية جراء الاقدام، على هذه الخطوة غير المتوقعة والمفاجئة، مما يسهم في احداث ”طلاق بائن“ بين اصحاب القرار والبيئة الاجتماعية، نتيجة الهزيمة النفسية الناجمة عن سرعة التنازلات الكبيرة.

التحرك باتجاه قلب الحقائق، ومحاولة رسم سيناريو مختلف، لعملية التنازلات الكبيرة، يمثل الخيار الاكثر قدرة على اعادة رسم المرحلة القادمة، خصوصا وان اصحاب القرار يحاولون ”تبيض الوجه“، بممارسات بهلوانية غير مقبولة لدى البيئة الاجتماعية، حيث يتحرك هؤلاء لوضع الامور بخلاف السياق الطبيعي، من خلال تصوير التنازلات كحالة طبيعية لمتطلبات الواقع السائد، انطلاقا من قاعدة ”الشيوخ ابخص“، عبر طرح مبررات عديدة ولعل ابرزها وجود الكثير من الخفايا ليست ظاهرة للعيان، مما يستدعي اتخاذ مثل هذه الخطوة لحماية الجميع، من التداعيات الكارثية المترتبة على مواصلة مشوار ”العناد“، والدخول في مواجهة مباشرة مع الخصم، مما يولد الكثير من المآسي على الصعيد الاجتماعي، وبالتالي فان الاضرار المترتبة على التنازلات، اقل كلفة من الدخول في صراع طويل الامد.

البيئة الاجتماعية تمثل الميدان الحقيقي لاصحاب القرار، باعتبارها الظهر والسند على الدوام، مما يفرض وضعها في قلب الحدث بشكل شفافية، لتفادي احداث حالة من الخصام، وردود الافعال الكبيرة، لاسيما وان الخطوات الاحادية ذات العلاقة بالمصير المشترك، تتطلب الوضوح وتفادي الدخول في مواجهة مباشرة، مع الوسط الاجتماعي عبر تقديم تنازلات مؤلمة، استجابة للتهديدات الصادرة من الخصم، مما يؤثر سلبا على التماسك الداخلي، ويؤسس لحالة من الصراع الخفي، بحيث يقود الى مواقف انفعالية لا تخدم المصالح العامة.

كاتب صحفي