آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 4:10 م

الرمضاء بالنار

محمد أحمد التاروتي *

البحث عن الصديق الوفي للاستناد عليه في مواجهة نكبات الدهر، والتحولات الكبيرة على الصعيد الشخصي او الاجتماعي، عملية مشروعة ومطلوبة وغير مستهجنة او مستنكرة على الاطلاق، كونها تدخل في سياق الممارسات الطبيعية والمعروفة لدى الجميع، لاسيما وان محاولة التغلب على المصاعب الحياتية ليست متاحة في الغالب، دون الاستعانة بالاخرين، سواء من خلال التعرف على الاليات المناسبة لتجاوز تلك العراقيل، او عبر الاستفادة من التجارب السابقة، مما يعطي المرء قوة معنوية كبرى للوقوف، في وجه التيارات العاصفة من التحولات المتلاحقة والمتسارعة، على الاطار الشخصي واحيانا في الجانب الاجتماعي، فالبعض يجد نفسه وحيدا وسط تحولات مفاجئة وغير متوقعة، مما يدفعه للجوء الى ركن شديد لطلب المساعدة، في هذه الاوقات الحرجة والطارئة.

الاختيار الصائب يعطي النتائج الايجابية في الغالب، فالصديق الوفي يظهر معدنه في جميع الأوقات، ولكنه يثبت صدقه في الاوقات الصعبة، بحيث يعمد لتقديم المساعدة بكل اريحية، انطلاقا من القواعد الاخلاقية التي يحملها، وكذلك نتيجة العلاقة الوثيقة القائمة بين الطرفين، وبالتالي فان التحرك الطوعي يكون اخلاقيا بالدرجة الاولى ”الصديق وقت الضيق“، بمعنى اخر، فان التحرك المصلحي ليس واردا، في قاموس الصديق الوفي على الاطلاق، فهو لا يتحرك للحصول على مصالح او مكاسب مستقبلية، بقدر ما يتحرك لتقديم المساعدة للخروج من المأزق، بما ينسجم مع القيم الأخلاقية، التي تفرض الوقوف مع الصديق في الرخاء والشدة.

المواقف الصعبة تمثل الامتحان الحقيقي لنوعية الصداقة القائمة، فاذا ظهرت بالشكل المتوقع والمأمول، فانها تدعم تلك الصداقة وتشد من عضدها للسنوات القادمة، الامر الذي ينعكس على نوعية العلاقات المشتركة، وطبيعة التحركات على المدى البعيد، نظرا لاكتشاف حقيقة تلك العلاقة القائمة بين الطرفين، باعتبارها حالة حقيقية وليست نفعية او مصلحية، مما يعطي تلك الصداقة زخما قويا لمواجهة كافة التحديات الحياتية، خصوصا وان مستقبل الصداقات يرسم وفقا لطبيعة النظرة لكل طرف، تجاه توثيقها او محاولة وضعها ضمن السياقات الخاصة، وبالتالي فان عملية استمرارية تلك الصداقة مرتبط بالاليات المتخذة في المواقف الصعبة، التي يعاصرها احد الاطراف، بحيث تضع الحروف على النقاط بخصوص النظرة الأخلاقية، والعمل على تحديد الوضع المستقبلي، بهدف الانتقال من مرحلة ”الشك“ الى مرحلة ”الاستمرارية“، والصدقية العالية.

المشكلة التي تواجه البعض تتمثل في سوء الاختيار، فيما يتعلق تحديد الصداقات الحقيقية او اختيار الصديق المناسب والوفي، بحيث تقود الى مشاكل كبرى جراء اكتشاف المعدن الحقيقي للصديق، فعوضا من الوقوف في الازمات الشديدة، فانه يختفي بشكل سريع ويتلاشى من المشهد كليا، مما يؤسس لمرحلة اخرى قائمة على الانفصال، وانفراط عقد الصداقة، خصوصا وان عملية تحديد نوعية الصداقة مرهونة، بالقدرة على ترجمة الوعود والتعهدات، الى وقائع على الارض، بحيث تظهر بشكل جلي منذ اللحظات الاولى في الاستجابة السريعة، وعدم انتهاج سياسة ”الامتعاض“ او المماطلة في تقديم المعونة المطلوبة، لاسيما وان الازمات الشديدة تشكل احد المحطات المفصلية، في كشف حقيقة الأمور، واماطة اللثام عن الكثير من الخفايا.

تجاهل نداء الصداقة وعدم اظهار الموقف الحقيقي، يشكل صدمة كبرى يصعب تحملها في المرحلة الاولى، خصوصا وان الامال المعقودة على الصديق كبيرة للغاية، مما يجعل الانسحاب دون سابق انذار بمثابة طعنة في الظهر، نظرا لكون الضربة من الصديق تكون اشد قسوة من ضربة العدو، فالاولى لم تكن متوقعة مما يعطي اثرا موجعا وغير محتمل، بخلاف الضربة من الاخرى المتوقعة، مما يفرض اخذ الحذر بهدف تقليل الاثار المترتبة، على هذه النوعيات من الطعنات القوية.

بكلمة، فان اختيار الصديق عنصر اساسي في الاستفادة منه باوقات الازمات الكبرى، فيما سوء الاختيار يمثل كارثة كبرى على الصعيد الشخصي واحيانا الاجتماعي، باعتباره مصداقا للقول المشهور ”كالمستجير من الرمضاء بالنار“، فعوضا من الاستفادة من الصديق في المحن، فانه يتحول الى عامل تدمير وتخريب، جراء رفض الاستجابة لنداء الصداقة، الحاكمة في العلاقات الانسانية.

كاتب صحفي