آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 7:42 م

أكلات شعبية محلية مُصنعة في الصين

المهندس أمير الصالح *

بعد ان نجحت الصين في الاستحواذ على قطاعات عريضة في مجال الصناعة الثقيلة والصناعات التقنية واجهزة الاتصالات والمعامل الكيميائية والصناعة التحويلية والفضائية والصناعات العسكرية حيث المردود المالي العالي والمجزئ، تفاجأت بولوج وريادة الصين في الصناعات الغذائية المحضرة والجاهزة للاكل والمطابقة للاذواق المحلية في بعض الدول العربية ذات القوى الشرائية المرتفعة.

قبل اربعين سنة، بالحد الاقصى اعتدت ان ارى مُربى البطيخ الصيني المعلب كمنتج غذائي صيني وحيد على مائدة الافطار. اما الآن فان معظم البقوليات المعلبة المصفوفة على ارفف السوبرماركت كالفول والفاصوليا والخضار المشكلة الجاهزة للاكل اضحت صينية المنشأ. آخر ما تفاجئت به هو ورق العنب المحشي المعلب والمنتج في دولة الصين. لك ان تتخيل ان عدة ماركات تجارية وليست بالقليلة من ورق العنب المحشي المُعلب يُصنع ويستورد من دولة الصين. شخصيا ذهبت الى دولة الصين عدة مرات ولم اجد اي شخص صيني يعتبر وجبة ورق العنب كمقبلات على مائدته، كما اني لم اجد احدا يبتاع ورق عنب محشي هنالك من أبناء دولة الصين. لك ان تتخيل ان معظم علب الفاصوليا المطبوخ والفول الجاهز المعلب يعد في الصين ويُباع محليا طبقا للذوق المحلي في الدولة التي يوردون اليها. حتى انه بلغني ان هناك بعض من الطاجن المغربي المعلب مُحضر في الصين ويُباع في دول شمال امريكا.

في البداية كنت اتسأل كيف وعلى اي أساس يقوم المستثمر الصيني في بناء مصنع او خط انتاج غذائي لمنتج هو غير ملم به ومجهول لديه مدى اقبال الجمهور في تلكم المناطق في الدول العربية والتي لا تشترك معه في الثقافة الغذائية بالعموم فضلا على منتجه الغير شعبي في بلده. وفي جانب آخر وعلى ضوء جائحة كورونا، فان الاغلب من الناس في بعض الدول الشرق اوسطية في حالة نفور من الوجبات الصينية. فمن اين تاتي المستثمر الصيني كل تلك الجرأة في التصنيع والاستثمار في طبق مقبلات شعبي بحيث ان يخوض المعترك ويواجه المنتج المحلي والمنتج المصنع في دول الارث التاريخي لذاك الطبق بمنتج مُصنع خارج نطاقه الجغرافي المعتاد. اليس هذا الامر يذكرنا بمقولة سيد البُلغاء ”كحامل التمر الى هجر“. استدركت في ذات الوقت بان في عصر المعلومات الحالي، اضحى المستثمر الاجنبي بعد حصوله على بيانات المبيعات او قراءته لبيانات الاستيراد لسلعة محددة في دولة معينة القدرة على تحليل تلكم المعلومات واطلاق صناعات متوفرة الخامات في بلده حتى يتمكن من خلق قيمة مضافة ويشارك في الكعكة في السوق المحلي لتلكم الدولة المستوردة. وفي المقابل المستثمر الصيني استطاع ان يفتح باب رزق لابناء بلده وتنويع نطاقات استثماراته وتوسيع نطاق تصديره لاسيما مع وجود ميزات تنافسية كبرى مثل بخس ثمن المواد الاساسية في ارضه وتدني اجور العمالة في بلده وارتفاع منسوب الاتمتة وتلقيه لدعم غير محدود في مجال التصدير والتصنيع. وفي ذات الوقت، دار في خلدي بانه قد يكون كامل المصنع المقام في الصين لأنتاج ورق العنب المحشي هو لمواطن مستثمر وجد لنفسه الاسباب بان ينشئ خط الانتاج في دولة الصين حتى يعمل هامش ربح اعلى مقارنة بقيامه بانشاء ذات المصنع في موطنه؛ وكذلك قد يكون حصل على تسهيلات إدارية ولوجستية وتصديرية اكثر هنالك. وفي سيناريو ثالث مفاده بان المستثمر ليس صيني الجنسية وليس مواطن محلي التبعية وانما شركات عابرة للقارات لديها اجهزة بحث وتطوير تسويقي وتجاري تستقرأ به اسواق وانماط الاستهلاك المحلي لكل سوق ولكل شعب ولكل منطقة جغرافية في مجال الاطباق الغذائية الشعبية. وعلى ضوء تلكم القراءة تحدد تلكم الشركات العابرة للقارات مناطق المصنع لتغذية المستهلك والصين في العادة هي الاكثر نصيا في مناطق التصنيع. وهناك احتمالات اخرى لم اوردها هنا لمنع الاسهاب في هذه الجزئية. وكل الاحتمالات واردة سواء وجود مستثمر صيني جريئ أو مستثمر مواطن في مناطق بعيده أو شركات عابرة للقارات او مستثمرين عرب كانوا يعملون مناديب مبيعات، الا ان الامر يقدح فكرة وجوب تشجيع الصناعات الغذائية المحلية ودفع الخطى لتوطين الصناعات الغذائية محليا لما لها من عوائد اقتصاديه واستقرار اجتماعية وخلق وظائف.

في العادة يلجأ المستورد المحلي «التاجر» لجلب طعام معلب او غير معلب من الخارج اذا ماكان هناك نقص شديد من المعروض للمنتج المحلي او تميز جودة المنتج المستورد. ولكوننا نتكلم عن ورق العنب فالمشهور بان تركيا واليونان هما الرائدتان في اعداد ورق العنب المحشي وذاع صيت لبنان ودول الشام ايضا في ذلك. ويبدو ان احد رجال الاعمال اكتشف لاحقا ان ورق العنب الخام الامريكي هو الافضل كلقيم لاعداد ذلك الطبق فتم استيراده كمواد خام.

الا ان هناك تجار عقدوا النية على استيراد ورق العنب المحشي المصنع مسبقا من دولة الصين بسبب هامش الربح الكبير وبسبب زيادة الفجوة في مستوى الطلب المحلي وكمية المصنع محليا.

لعل البعض يتساءل: كم هو مستوى العائد المالي في منتج ورق العنب المحشي بالرز المصري مع بعض من خليط الطماطم واوراق خضراء والبصل وملح وسماق وملح الليمون والبهارات وزيت الزيتون؟ شخصيا اعددت دراسة اقتصادية بسيطة لحساب التكاليف لانتاج حبة ورق عنب واحدة محشي جاهزة للاكل بناءا على اسعار المواد الاساسية المتوفرة محليا باسعارها في السوبرماركت ومقارنة بسعر بيع الحبة الواحدة من المنتج النهائي وحساب الفرق السعري لمعرفة الهامش الربحي. فسجلت ان من يصنعها محليا او في دولة تركيا او اليونان او حتى الصين يكون هامش الربح متفاوت ببن 25?? الى 250??. نعم كما قرأت مائتان وخمسون في المائة هامش ربح مع التحفظ في حساب المواد الاساس وسعر البيع. ولم أحسب سعر ورقة العنب المباعة في الفنادق او المطاعم الراقية. نقول ربي ارزقني وارزق من هم حولي وجميع ابناء وطني. الا انني اود ان اهمس في اذن المصنعين المحليين من الاسر المنتجة والمخابز والمحلات المتخصصة لمنتج ورق العنب المحشي، بان يزيدوا من حصتهم من المبيعات من خلال تقليل سعر البيع ومنافسة المنتج المستورد سعرا.

توافر ورق العنب المحشي والمعد محليا بنكهة ومذاق وايدي محلية ستزيد عدد انخراط الايدي العاملة من الفتيان والفتيات المحليين وتقليل منسوب كمية المستورد من الدول الاخرى يخلق فوائد اقتصادية اخرى ويقلل من تسرب الوظائف الى اسواق اعالي البحار. نفس الامر ينطبق ايضا على امور اخرى يمكن تصنيعها وتوفيرها محليا. اهمال هذا الامر البسيط وغيره قد ينتج عنه مع مرور الزمن ومن دون اي مفاجئة رصد هريس معلب مُصنع في الاكوادور او عصيدة مثلجة معلبة مُصنعة في الفيتنام.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
Yaser
[ القطيف ]: 21 / 9 / 2020م - 5:51 م
تلاقيه صنع خصيصاً للسعودية