آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 2:59 ص

تجليات حزم المؤمن

ورد عن أمير المؤمنين : إنما الحزم طاعة الله ومعصية النفس» «عيون الحكم والمواعظ ص 177».

من علامات القوة والرزانة والكمال في شخصية الإنسان هي اتخاذ القرارات المناسبة والمدروسة بعيدا عن التهور أو التردد أو التسويف، وذلك أن وضع القرار والموقف في محله المناسب له يتأثر بعدة عوامل، منها: التأني والتأمل في الفكرة أو الخطوة وترقب النتائج التالية لها، وكذلك العامل الزمني فإن الوقت المناسب بلا استعجال أو تسويف يلعب دورا حاسما في بلوغ المراد وتحقيق الأهداف.

ويرتكز ضبط الأمور وإتقانها على نحو تام على التفكير الرشيد، وذلك من خلال دراسة الأمر وتقليبه على سطح مجهر النأمل والبحث إلى أن يصل إلى نتيجة واضحة يتخذ بعدها قراره بالفعل أو الترك بناء عليها، وأساليب وطرق التفكير الناضج تنتج من الدراسة والقراءة ومجالسة العقلاء واكتساب الخبرات المتجلية من المواقف والأحداث المختلفة.

والأمر الآخر الدخيل في عملية الحزم في الخطى هو الإرادة القوية في اختيار الطريق أو الاحتمال الذي يدل عليه عقله، فإن الإرادة تعني تطويع القوى والجوارح في اختياراتها وحركتها وفق العقل الحكيم لا الأهواء والعاطفة العمياء، كما أن الهمة العالية ركيزة في تناول طرف الخيط بسرعة مدروسة ودون تباطؤ.

وأهم تجليات الحزم واتخاذ القرارات الوازنة والمناسبة في حياة الإنسان العاقل هو ما يتصل بعلاقته بالله عز وجل وإتيان الصالحات وتجنب مواطن سخطه، فإن الشيطان الرجيم وأهواء النفس تلعب دورا سلبيا تجاه الهمة العالية في فعل الطاعات وموارد القرب من الله تعالى، فالانشغال بحطام الدنيا الزائل يصرف النفس عن الاستيناس بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم واستشعار الأجواء الروحية للأدعية والمناجاة، وهنا لابد للمؤمن من اغتنام الفرص والالتفات إلى أن التراخي والتسويف والتضييع سيكون من موجبات الخسران والندم، فتلك الأوقات التي نضيعها في اللهو بشكل مستمر تحتاج إلى وقفة حازمة يتأمل فيها حاله لو استمر على هذا المنوال، فالإيمان ليس مجرد اعتقاد بل هو سير حثيث في جني ثمرات الأعمال الصالحة، ومثل هذه الجلسات من محاسبة النفس وتفحص أحوالها يسعفه بالوصول إلى قرارات حازمة يسترد بها همته ونشاطه.

وطاعة الله عز وجل لا تقتصر على الصلاة والصوم ولهج اللسان بالأذكار، بل هو مفهوم شامل لكل كلماتنا وسلوكياتنا، والتي ننظر فيها لرضا المعبود وتجنب ارتكاب أي تقصير أو مخالفة، فالطاعة لا تقتصر على محراب العبادة وإنما يتجلى في كل أحوالنا ومجمل علاقاتنا والتي يحكمها الخوف من الله تعالى.

والجانب الآخر من مظاهر الحزم في شخصية المؤمن هو معصية النفس ومخالفة الأهواء والتوقف عن الاستجابة للشهوات المهلكة، فإن ضعف الوازع الديني وتأنيب الضمير كان ذلك داعيا للتجاوز على حقوق الآخرين وظلمهم ماديا ومعنويا، كما أن غياب رقابة المولى من القلب تفسح المجال للتطاول على دائرة المحرمات وارتكابها في عالم السر، وغياب ضبط المشاعر الوجدانية ولغة التسامح والتغافل تدفع المرء نحو التطاول على شخصيات الآخرين بالغيبة والنميمة وهتك الأعراض.

هناك مواجهة بنحو مستمر بين عالم القيم وطهارة النفس ويقظتها والضمير الحي من جهة، وتسويلات النفس الداعية لارتكاب المعاصي والانجرار لعالم الرذيلة والعيوب من جهة أخرى، ويمكن تحقيق الانتصار عليها من خلال تدعيم القوة النفسية الممانعة حتى تتغلب على عوامل الخطيئة، فخشية الله تعالى تتجلى حقيقتها وفاعليتها ونجاعة خطاها من خلال الوقاية من الأوبئة الأخلاقية.