آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 5:46 م

القرارات الارتجالية

محمد أحمد التاروتي *

تكشف القرارات الارتجالية نوعية القناعات، والمبادئ التي تحرك اصحابها، فالقرارات المتسرعة تدخل اصحابها في متاهات، ومشاكل عديدة، خصوصا وان الكثير من القرارات الارتجالية تجانب الحكمة، كونها نابعة من انفعالات نفسية، واستجابة لضغوط داخلية او خارجية، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، ”لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ“، وبالتالي فان الاحكام الانفعالية تعطي نتائج كارثية على المدى القصيرة، وتترك تداعيات سلبية على المدى البعيد.

القراءة السريعة، وعدم السيطرة على الانفعالات النفسية، والاستجابة للضغوط الاجتماعية، عناصر اساسية في اصدار القرارات الارتجالية، لاسيما وان الوضوح التام يساعد في وضع القرارات في المكان المناسب، نتيجة عدم الاستجابة الكاملة للاجواء المشحونة، سواء على الصعيد الشخصي او الاطار الاجتماعي، مما يعطي نتائج ايجابية في الاحاطة بمختلف الجوانب المتعلقة بالمشكلة، بحيث يسهم في تحريك الامور في الاتجاهات الايجابية، الامر الذي يخرج القرارات من الخانة الارتجالية، والدخول في القرارات المتوازنة والعقلانية، لاسيما وان الانسياق وراء القرارات الانفعالية يحول دون احداث تغييرات جذرية، او تحريك القضايا بالاتجاهات الصائبة.

غياب الرؤية الكاملة، وعدم القدرة على التحرك بحرية تامة، يحول دون امتلاك القرار المناسب، بحيث تظهر على الكثير من القضايا الهامة، لاسيما وان الضبابية تصيب العقل بالشلل، في الاطاحة بجميع الزوايا المتعلقة بالمشاكل، مما يدفع لانتهاج الوسيلة ”الناقصة“ في وضع الامور في المكان المناسب، بمعنى اخر، فان الاصرار على القراءة المتأنية، وعدم السير وراء الضغوط الداخلية، يساعد في انتهاج الاليات المثالية في المعالجات الصحيحة، والابتعاد عن القرارات الارتجالية، باعتبارها عنصر ”سلبي“ في جميع الاوقات.

محاولة الظهور بمظهر القوة، واظهار القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، ليس مدعاة لانتهاج القرارات غير الحكيمة، فالشجاعة تتطلب المزيد من التريث، ومحاولة امتلاك القرارات في الوقت المناسب، لاسيما وان هناك الكثير من القرارات تكون اثارها وخيمة، على اصحابها في الغالب والبيئة الاجتماعية احيانا اخرى، مما يستدعي التحرك وفق منظور اكثر شمولية، وعدم قصر النظر في حدود السقف الزمني القصير، وبالتالي فان التريث في اتخاذ القرارات ليس ضعفا، بقدر ما يعكس القدرة على اتخاذ الحكمة سبيلا، في الوصول الى الحقيقية، الامر الذي يرفع من مكانة اصحابها لدى مختلف الاطراف، بحيث تجد التقدير لدى الخصم قبل الصديق.

القرارات الارتجالية تجد تصفيقا كبيرا، لدى شريحة اجتماعية غير واعية، نظرا لافتقارها لاليات المناسبة لكشف الحقائق، مما يجعلها غير قادرة على رؤية الأمور، بعيدا عن العصبية او الكراهية، خصوصا وان القرارات الانفعالية مرتبطة بحالة الغضب الداخلية، وكذلك نتيجة ردود افعال غير متوازنة، الامر الذي يدخل البيئة الاجتماعية في مشاكل عديدة، بحيث تقود الى حالة من الضياع، وعدم القدرة على التفاعل المتزن، وبالتالي فان القرارات الارتجالية من الامراض الخطيرة على الصعيد الاجتماعي، نظرا لخطورتها على الكثير من الشرائح الاجتماعية، مما يتطلب ايجاد الطرق المناسبة للخروج من الحالة الانفعالية، والحفاظ على رباطة الجأش.

الخروج من مأزق القرارات الانفعالية عملية اساسية، لاحداث التوازن في معالجة القضايا على اختلافها، باعتبارها السبيل لانقاذ اصحابها من التخبط من جانب، والحرص على تجنيب البيئة الاجتماعية، من الاثار الكارثية من جانب اخر، لاسيما وان المراهنة على القرارات الارتجالية تكون خاسرة في الغالب، نظرا لاكتشاف الكثير من العيوب فيها بمجرد دخولها حيز التنفيذ، مما يفرض المراجعة المستمرة، واستبدالها باخرى بعد فترة زمنية، الامر الذي يسهم في تعرية اصحابها امام البيئة الاجتماعية، بحيث تفقد الكثير من مصداقيتها، وتتراجع اسمهما لدى العديد من الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان الخسائر المترتبة على تلك القرارات، تصيب العديد من الفئات الاجتماعية بخيبة امل، نظرا للخسائر الكبيرة الناجمة عن السير خلف تلك القرارات الارتجالية، مما يعطي الاطراف الاخرى مساحة واسعة للتحرك، ومحاولة استغلال الثغرات، بحيث تلحق اضرار جسيمة في التفكير الاجتماعي.

كاتب صحفي