آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 4:10 م

مصداقية الشعارات

محمد أحمد التاروتي *

اكتشاف خطأ بعض الرهانات مرتبط بمدى مصداقيتها على ارض الواقع، فهناك الكثير القناعات تبقى قائمة في الرخاء، ولكنها سرعان ما تتبخر وتتلاشى بمجرد دخولها في مواجهة حقيقة، حيث تبدأ عملية المراجعة الذاتية لتلك القناعات بطريقة نقدية، لاسيما وان العملية مرتبطة بقدرتها على مواجهة التحديات الحقيقية، الامر الذي يفرض واقعا جديدا يتطلب اليات، ومواقف مختلفة تماما، نظرا لعدم صلاحية تلك القناعات للتعامل مع المستجدات، والحقائق على الأرض.

الصدمة الكبرى التي رسم الخارطة المستقبلية، تتمثل في تخلي الصف الأول عن تلك القناعات، ومحاولة ركوب الموجة الجديدة، بما يحقق المصالح الذاتية والتحرك باتجاه الأطراف المنتصرة، نظرا للاثار المترتبة على استمرارية الرهان على ”الحصان الخاسر“، وبالتالي فان الصدمة العنيفة تبدأ منذ اللحظات الأولى لاستدارة أصحاب الشعارات بشكل كامل، والتحرك بالاتجاه المعاكس تماما، لاسيما وان عملية الاستدارة ليست وليدة الساعة، بقدر ما تكشف عن سلسلة متراكمة من الإخفاقات والهزائم، مما يدفع للمراجعة الحقيقية لقدرة تلك الشعارات على مواكبة المستجدات، وتحقيق التطلعات على الصعيد الفردي والاجتماعي.

الخداع لعبة أصحاب الشعارات في استقطاب بعض الشرائح الاجتماعية، حيث يتخذ هؤلاء الشعارات العاطفية سبيلا للحصول على التأييد الشعبي، بهدف استخدام هذه الشرائح كورقة للمساواة وتحقيق نفوذ اجتماعي، بيد ان استمرارية التأييد الشعبي مرتبط بالقدرة على ترجمة تلك الشعارات على ارض الواقع، وبالتالي فان اكتشاف زيف تلك الشعارات يصيب بعض الفئات بخيبة امل، مما يشكل نقطة تحول أساسية في انفراط عقد تلك الشعارات، واختفاءها من البيئة الاجتماعية بشكل تدريجي.

اتخاذ الخطوات الضرورية في الوقت المناسب، احد العناصر الأساسية لقفز من المركب الغارق، لاسيما وان التراخي او انتهاج مبدأ المجاملة، يترك تداعيات سلبية على أصحابها، مما يستدعي اتخاذ القرار الشجاع وعدم الالتفات الى ردود الأفعال العنيفة، لاسيما وان انقشاع الضبابية عن العيون، يساعد على اتخاذ القرار الصائب، بعيدا عن الجوانب العاطفية او الضغوط الاجتماعية، فهناك اطراف تمتلك اجندات خاصة، مما يدفعها للعمل على إبقاء ”الولاء“ حتى اللحظات الأخيرة، نظرا لوجود اهداف عديدة للاستفادة من تلك العناصر في سوق نخاسة الولاءات، وبالتالي فان القفز من المركب الغارق يشكل الخيار الأفضل في الأوقات الحرجة، بهدف انقاذ الذات من الوقوع في افخاخ الأطراف غير النزيهة.

الفشل الذريع في تحقيق الكثير من المكاسب المرتبطة بالشعارات المرفوعة، يمثل نقطة مركزية للحصول على العديد من الإجابات ذات العلاقة بصدقية تلك الشعارات، مما يعرقل المساعي الهادفة لتحقيق اختراقات حقيقية في البيئة الاجتماعية، الامر الذي يعطي دلالة واضحة على عدم صلاحية في تلك الشعارات، باعتبارها شعارات تحلق خارج السرب، وانها تتحرك خارج الزمن، مما يستدعي إعادة النظر فيها بما ينسجم مع الواقع، فالاصرار على التمسك بتلك الشعارات يكشف عدم استيعاب أصحابها للمرحلة الحالية، وكذلك يعطي إشارات واضحة بغياب المرونة في التعاطي مع التطورات على ارض الواقع.

الخروج باقل الخسائر يساعد في تجاوز تداعيات مرحلة الشعارات، خصوصا وان اكتشاف زيف الشعارات يعطي أصحابها فرصة سانحة، لتصحيح المسارات بما يحقق الفائدة على الذات، ويحمي البيئة الاجتماعية، من التداعيات الكارثية الناجمة عن تمرير الشعارات غير الواقعية، لاسيما وان التطور الفكري يساعد في محاكمة تلك الشعارات واجراء قراءة نقدية واقعية، بحيث تقود الى وضع الحلول المناسبة، سواء بالنسبة لترك تلك الشعارات وراء الظهر، او محاولة تطويعها بطريقة تعيد برمجتها، بما يحقق الفوائد على الصعيد الاجتماعي، فهناك الكثير من الشعارات التي سجلت حضورا واسعا في الفكر الاجتماعي تلاشت بشكل نهائي، كونها غير صالحة لمواكبة التطورات المتلاحقة، بالإضافة لعدم قدرتها على تحريك الوعي الاجتماعي بالطريقة المثلى.

المرء يتحمل مسؤولية خياراته الحياتية، مما يستدعي التريث والتفكير مليا قبل اتخاذ القرار، لاسيما وان السير وراء الشعارات يحمل في طياته الكثير من المخاطر، نظرا لما تحمله تلك الشعارات من مخاطر كبرى على الصعيد الذاتي، فالبعض منها يحتوي على ”السم“، الامر الذي يتطلب اتخاذ جانب الحيطة والحذر، لتفادي تجرع تلك السموم، والوقوع فريسة سهلة لتلك الشعارات البراقة.

كاتب صحفي