آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 5:03 م

تصدير المشاكل

محمد أحمد التاروتي *

يعمد البعض لاخفاء المشاكل الداخلية، باعتماد ”تصدير الازمات“ للاخرين، انطلاقا من مبدأ ”الستر الداخلي“، ومحاولة اشغال الاخرين بقضايا أخرى، وعدم تسليط الضوء على مشاكله الداخلية، خصوصا وان انكشاف بيته الداخلي يسقط ورقة التوت التي تغطي عورته، الامر الذي يدفعه لمحاولة ابقاء تلك الورقة، والعمل على الهاء الاخرين بشتى الطرق عن التعرف على ازماته الخاصة، فتارة يحاول اظهار ”السعادة الداخلية“ في بيته الداخلي، ونفي كافة المعلومات المتداولة، بخصوص تفاقم الخلافات في البيت الواحد، وتارة اخرى بمحاولة ممارسة دور المصلح، والمرشد لمعالجة المشاكل، بهدف ابعاد الشبهة عن كيانه الخاص.

تصدير المشاكل تكتيك مرحلي في الغالب واحيانا سياسة استراتيجية تكتيكا مؤقتا، فاذا كانت المشاكل ذات صبغة مؤقتة، وغير قابلة للانتشار والاستدامة، فان المصلحة الخاصة تستدعي اثارة بعض المشاكل الصغيرة، وذات المفعول القصير لاشغال الاخرين عن تناول المشاكل الخاصة، فيما ستكون الالية المعتمدة مغايرة تماما بالنسبة للمشاكل الكبرى وذات الصبغة العامة، بحيث تتطلب البحث عن مشاكل عميقة، ومحاولة بث الصراعات في بيوت الاخرين، بهدف احداث شروخ كبير في جدران تلك البيوت، مما يستدعي البحث المستمر عن الحلول المناسبة، لسد تلك الثغرات العميقة، وبالتالي اضاعة البوصلة لدى الاخرين عبر الانشغال بالمشاكل الذاتي، عوضا من النظر في قضايا الاخرين.

سياسة تصدير المشاكل سلاح ذو حدين، فتارة تصيب الهدف بشكل مباشر، مما يسهم في تحقيق الاهداف المرسومة بشكل سريع، بحيث يتجلى في الانشغال التام بالبيت الداخلي، وتارة اخرى تخطئ الهدف سواء نتيجة امتلاك الاطراف الاخرى الوعي الكافي، لأغراض ومرامي هذه الطريقة، او بسبب الطريقة المستخدمة لتصدير تلك المشاكل، الامر الذي يسهم في افشال المخطط بشكل كامل، مما يتسبب في الدخول في دوامة الخطر، وعدم القدرة على اخفاء الحقائق عن الاخرين، وبالتالي فان عملية تصدير المشاكل ليست الوسيلة الناجعة على الدوام، فهناك الكثير من التجارب الفاشلة، والتي تسبب في كوارث كبرى.

الفشل في معالجة المشاكل الداخلية، يشكل احد الاسباب وراء انتهاج طريقة ”تصدير المشاكل“، الفئات القادرة على ترتيب البيت الداخلي، ليست بحاجة الى افتعال المشاكل في بيوت الاخرين، نظرا لادراكها الكامل بخطورة مثل هذه المسالك، سواء على صعيد العلاقات الاجتماعية، او على اطار العلاقات الشخصية، خصوصا وان اثارة المشاكل في بيوت الاخرين يسهم في تحطيم الوئام السائد، لدى الكثير من المنازل في البيئة الاجتماعية، بحيث يتحول الاستقرار والهدوء الى فوضى واقتتال كبير، وبالتالي فان عملية تصدير المشاكل تنم عن تدني كبير في المنظومة الأخلاقية، وتكشف الكثير من الخسة والخبث، لدى الاطراف العاملة بهذه الطريقة، بمعنى اخر، فان عملية الانشغال بالذات يحول دون البحث عن عيوب ومشاكل الاخرين، ”طوبى من شغله عيبه عن عيوب الناس“، فالمرء الذي ينطلق من مبادئ أخلاقية، يترفع عن اثارة المشاكل لدى الاخرين، نظرا للاثار التخريبية المترتبة على الصعيد الاجتماعي.

عملية تصدير المشاكل ليست قادرة على حماية البيت الداخلي من التصدع، خصوصا وان عملية حماية البيوت الداخلية مرتبطة بصلابة القواعد، والقدرة على الصمود في وجه التيارات على اختلافها، فيما عملية تصدير المشاكل بمثابة حلول مسكنة، سرعان ما تفقد مفعولها بعد فترة قصيرة، مما يعيد الامور للمربع الاول مجددا، وبالتالي فان التركيز على حماية البيت الداخلي، ليس مرتبطا بتصدير المشاكل، بقدر ما يتأتي بوجود العوامل الأساسية، القادرة على الصمود بالدرجة الاولى، لاسيما وان الكثير من التحركات الساعية لتصدير المشاكل سرعان ما تتكشف، الامر الذي يسهم في احداث حالة من الفوضى في البيئة الاجتماعية، نتيجة ردود الافعال العنيفة المرتبطة بعملية اثارة الخلافات، عوضا من البحث عن جمع الكلمة.

بكلمة، فان سياسة تصدير المشاكل تنم عن توجه غير اخلاقي نحو تمزيق البيئة الاجتماعية، خصوصا وانها تنطلق من مبادئ التفرقة والبحث عن اثارة النعرات، والحروب الكلامية بين الشرائح الاجتماعية، مما يعزز الاعتقاد بوجود نوايا سيئة لمحاولة ”تغطية“ المشاكل الداخلية، مقابل اشغال الاخرين بقضايا هامشية، او غير ذات اهمية، من خلال تضخيمها ومحاولة وضعها، في قائمة الاولويات في البيئة الاجتماعية.

كاتب صحفي