آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 5:03 م

التركيز

المهندس أمير الصالح *

كل الحالمين بالثراء تلهج السنتهم واستشهاداتهم في الاقوال والكتابات ب قصص ثراء السيد بيل جيت والسيد وارن بافيت ومارك وغيرهم. ففكر الحالمين وتركيزهم متعلق بالشخصية التي يتمنون ان يكونوا نسخة منها في مجال المال والاعمال، ويغفلون واقعهم او لا يعيشونه بكل تشعباته ومعطياته ومتغيراته في بلدانهم. وتمضي الشهور والسنون من اعمارهم، فلا هم اصبحوا أثرياء ولا هم استمتعوا مع أفراد اسرهم بما حباهم الله به من نعم وصحة ووقت. بل إن البعض أهمل أشياء أساسية عديدة على أساس شي يحلم به ويدغدغ مشاعره به ويوهم نفسه انه يعيش طموح.

على النقيض من ذلك الصنف البشري، هناك اُناس يمطرونك برسائل ليل نهار بأخبار كل الراحلين والقلاقل والاحداث السوداوية في العالم أجمع من حروب وأفلاس شركات وانهيار مؤشرات ووفايات دون هوادة. حتى بلغ البعض بهم الحال أن يجلبو أخبار المتوفين من العالم الغربي وعالم السينما وأخبار زواجات وطلاق أهل الطرب في البوليوود وهوليوود كما لو كانوا روؤساء تحرير صفحة الحوادث في احد المواقع المتخصصة. وإيضا هذا المجموع البشري انفصلوا اختيارا عن واقعهم واتعسوا انفسهم ومن حولهم بالإفراط في ذكر اخبار الموت وان رفعوا يافطة ”كفى بالموت واعظا“. وكان الأجدر هو التحفيز على الإنتاج واستكشاف الموهوبون أو التشجيع على صقل مهارات الأحياء وتبنيها أو الدعوة لتبنيها.

ولا يفوتني أن اذكر فئة اخرى تمتطي وهم الثقافة وتفسد سعادتها وتوتر علاقاتها مع المحيط الاجتماعي في جدليات أزلية جوفاء وعناوين باهته مشروخة ومشاغبات فكرية غير مبتلى بها في وسطه، فيضيع أيامه والكثير من موارده بالحروب الكلامية التي لا تُسمن ولا تُشبع من جوع.

فلا هذا الحالم بالثراء الفاحش ولا ذاك المكتئب ولا ذلك المتثاقف الغير واقعي يثيران الرغبة في حياة معتدلة تنم عن روح الاستمتاع والسعي المحمود ولا اجادوا التركيز في السعي لصنع حياة افضل وخلق افق اكبر للسعادة. ففشلوا جميعا في ان يكونوا مثال يحتذى به في صنع الحياة السعيدة.

على الضفة الاخرى، كما العديد من الناس اصبحت اُثقل من تعدد المهمات التي تُناط بي كأب وكزوج وكموظف وكأبن وكطامح وككاتب ومؤلف وباحث ومستقصي حقائق وحامل لأهداف. واضحيت أسمع كلمة ركز معنا في بعض الاجتماعات الاسرية والمكتبية حينما يشرد فيها ذهني. كما نعلم، الشرود يطرأ نتيجة عدة امور، ومنها كثرة الالتزامات وتقارب تواريخ استحقاق الاهداف المطلوب انجازها وتسارع المتغيرات في اسعار السلع والقوانين والتشريعات وأيضا الانغماس في فكرة ما أو التعرض لكم هائل من الضخ الاعلامي المثير للفضول في اي مجال. والجزئية الآخيرة اي الضخ الاعلامي عبر وسائط التطبيقات الاجتماعية هي محطة جدير تسليط الضوء عليها بعض الشي. حديثا قمت بتجربة بسيطة في مضمار تطبيقات الذكاء الصناعي ووقفت بنفسي على نتائج مخيفة. ففي التجربة، ادرجت متابعة لمغرد في التويتر يعرض مواد فكاهية بقصد كسر الرتابة ورسم الابتسامة على محياي. بعد إعادة التصفح في تطبيق تويتر وجدت تغريدات مغردين آخرين على الصفحة الاولى لتصفحي لذات التصنيف «مفاكهة ونُكت». بعد اقل من 4 أيام، وجدت ان كمية الضخ لمواد الضحك وفيديوهات المواقف الطريفة قد سيطرت على كامل قائمة التغريدات التي تماطرت. فاوقفت المتابعة والغيتها. لك ان تتخيل ان المتابعة وقعت في يد طالب لم تنضج اهدافه ورؤيته عن العالم. ولك ان تتخيل أننا نعيش في الثورة الصناعية الرابعة حيث ان ارهاصات الانتقال من انترنت الاشياء internet of things أي الجيل الخامس الى الحديث عن انترنت الأحاسيس internet of feelings حيث الجيل السادس من ثورة عالم الاتصالات. في الجيل السادس سيكون للتطبيقات الذكية القدرة على تحليل وقراءة احاسيس مستخدم التطبيقات عبر الهاتف الجوال وتغذية ما يود المبرمج / الشركات ان يغذيه من أحاسيس في عقل وقلب الشخص او الاشخاص المستخدمين لبعض التطبيقات الصناعية. هكذا معلومات قرأتها وفهمتها بناء على ما يجول في أروقة بعض المواقع الالكترونية وبودكاستات عربية وأجنبية.

وعليه استرعي انتباه القراء من محاورة الذات عند وجود اغراق اعلامي باتجاه معين صادر عن تطبيقات الذكاء الصناعي التي قد تغرق الأنسان في بحور من الفضول التافه والامر لعله باهمية اكبر في استحضار العقل الناقد والباصر في محضر استخدام الشباب والطلبة لبعض تلكم التطبيقات.

فتشت عن عمليات تحسين مستوى التركيز لدي لكي أضبط البوصلة نحو تحقيق الأهداف سواء الصغيرة او الكبيرة منها. بعد عدة تصفحات وقراءات وممارسات تطبيقية لمست اهمية الآليات التالية واحببت ان اشارككم اياها وان كان البعض منها اضحى معلوم ويطبق في حياته اليومية:

- تفعيل استخدام قائمة الاعمال To - Do List بشكل يومي أمر مهم وحيوي ومجذر لممارسات صحيحة

- ايقاف تنفيذ عدة مهام في ذات الوقت والأكتفاء بإنجاز مهمة واحدة في الوقت الواحد

- في الغالب جملة ”لا أستطيع“ تعني ”لا أريد“ اي هروب من الانجاز بطريقة سهلة. ”لا أريد“ تعني في بعض التوظيفات اللامبالي. استدراك القول قبل الفعل امر مهم

- تجنب المشوشات والمقاطعات مثل ايقاف التصفح المستمر للواتس والتويتر والفيس بوك والسناب شات وتك توك وتقليل العضوية في القروبات التي لا تتماشى والاهداف البناءة لطموح الواعي والواقعي

- الاكتفاء بمشاهدة الأخبار الرئيسة مرة واحدة باليوم والاقتصار على متابعة اخبار الحوادث والوفايات في منطقتك في القروبات المخصصة لذلك

- الابتعاد عن اي مجموعة أو ديوانية أو مجلس أو نادي أو قروب افتراضي يهدر ويستنزف الوقت فيما لا يهم الشخص المعني ولا حتى المجاملة في ذلك

- استكشاف وإعادة استكشاف طرق العيش بسعادة والاستمتاع بما في حيازتنا من مواد ونِعم مع من حولنا من الاهل والاقارب والأصدقاء

- الاستلهام من قصص أهل الثراء وأهل الزهد وأهل المعرفة بالقدر المعقول والعملي والمتاح والمتوائم مع طبيعة وإمكانيات كل فرد.

واختم المقال بما روي عن الإمام الرضا أنه قال: "*صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله. * "