آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 11:55 م

لماذا اللغة الحوزويّة معقدة؟

زكريا الحاجي

كثيراً ما يردني مثل هذا التساؤل: لماذا اللغة الحوزويّة معقدة؟

مع كون الحوزة - كغيرها - لها أدبيّاتها الخاصّة التي تفرضها عليها طبيعة علومها، إلا أنّ تعقيد البيان في عرض الأفكار ليس أمراً عقلائيّاً في حدّ نفسه، وقد يكون ذلك يُنافي غرض إيصال الفكرة لدى المتلقي فيما إذا يمكن تبسيطها، إلا أنّ الكلام في إمكانيّة تطبيق ذلك.

السّهولة والصّعوبة في بيان الأفكار من الأمور النّسبيّة، وهي تعتمد على عوامل ثلاث:

الأوّل: الفكرة نفسها: تتفاوت الأفكار في مدى المرونة والقابليّة التي تتمتّع بها، وهي ما تحدّد حجم المساحة المتاحة لتنقل المتكلّم في مستويات البيان، فالأفكار ليست إلا حقائق، والحقيقة شيء ثابت، وهذا الثّبوت فيها هو ما يستدعي محدوديّة المساحة البيانيّة بحسب طبيعتها، ولكلّ منها حدّ لا يمكن تجاوزه، وإلا تضرّرت الحقيقة.

الثّاني: المتحدّث: يتفاوت المتحدّثون فيما بينهم في ملكة القدرة الخطابيّة، وكلّما تمتّع المتحدّث بقدرة عاليّة كلّما أمكنه التنقل في مستويات بيان الفكرة المتاحة.

الثّالث: المتلقي: أيضاً يتفاوت المتلقون فيما بينهم بحسب إمكانيّاتهم المعرفيّة وسعتهم الثّقافيّة، وكلّما كانوا أكثر سعة وعمقاً، كانوا أكثر استعداداً لتلقي الخطاب، وأقرب للفكرة.

فإذا كانت الفكرة تتمتّع بمساحة كافية للنّزول إلى المستوى المعرفي للمُتلقي، والمتخصّص يمتلك من القدرة البيانيّة الكافية، ومع ذلك اختار اللغة المعقدة، حينها يكون ملوماً.

وأمّا إذا كانت قدرته البيانيّة ضعيفة، فلا يُلام المرء على شيء فوق طاقته، وهناك من النّاس من يتمتّع بمستوى عالٍ من العِلم، لكن قدرته البيانيّة ضعيفة، وقد يحتاج المُتلقي معه أن يتمتّع هو أيضاً بمستوى معرفي عالٍ يعوّض به ذلك النّقص ويستطيع أن يلتقط الفكرة مع ضعف بيانها.

وإلا إذا كان بيان المتكلّم ضعيفاً، والمخاطب لا يملك سعة معرفيّة كافية، هذا يجعل من بيان الفكرة أمراً متعسّراً.

وقد يكون المتكلّم يتمتّع بقدر بيانيّة كافية، لكن كثيراً ما يكون المُتلقي دون المستوى المعرفي الكافي لتلقف الفكرة.

وعادة ما يتجنّب المتخصّص التعرّض للأبحاث التخصّصية، إلى أن يأتي شخص آخر - سواء من ذات التخصّص أو من خارجه - ويطرح اشكالات وشبهات تستدعي دفعها اجتماعيّاً، وهنا بين يديّ المتخصّص خيارين:

1 - إمّا أن يكون عرض الجواب التخصّصي ممكناً، فيما إذا توفّرت العوامل الثّلاث - نسبة وتناسب -، لا سيما إذا كانت المسألة لا تستدعي بطبيعتها مقدّمات معقدة.

2 - وإمّا أن يتعسّر عرض الجواب التخصّصي؛ لعدم توفّر التناسب الكافي من العوامل البيانيّة السّابقة، ومن ثمّ يكون بين ثلاث خيارات:

أ - إمّا أن يُلقي الجواب بصيغته العلميّة، ومن يريد الفهم يصعد للجواب ولا ينتظر أن ينزل له، وهذا خارج عن إرادة الباحث نفسه.

ب - أن يضطر المتخصّص إلى تقليم الجواب حتى يمكن إنزاله وتسهيله للمتلقي، ولكن عادة سيفقد دقته العلميّة، إلا أنّه يؤدّي الغرض في بعض الأحيان، وقد لا يؤدّي ذلك في موارد أخرى.

ج - يضطر المُتخصّص إلى التحوّل للجواب الجدلي الإسكاتي، وهو نوع من الأجوبة الإسعافيّة يستخدمها أهل الاختصاص في مثل هذه الحالات، خصوصاً إذا كان المُتلقي يصرّ للحصول على جواب يركن له، فيقدّم له المتخصّص جواباً يناسب استعداده الثّقافي والمعرفي، وقد لا يكون علميّاً، وإذا لم يكن كذلك فهو ليس جواباً حقيقيّاً.

وقد يلجأ المتخصّص لهذا النّوع من الأجوبة لإلجام المشاغبين والعابثين فقط، أي مجرّد جواب تكتيكي ليس إلا.

إلا أنّ الجواب الجدلي الإسكاتي وإن كانت له بعض الإيجابيّات، لكن لا يخلو من سلبيّات كذلك، من أهمّها: أنّه قد يتسبّب في ايجاد ضوابط غير دقيقة وغير علميّة، وقد يستعملها المُتلقي ويُسقطها على موارد أخرى يخرج منها بنتائج عكسيّة، وقد يُصدم بوجود تهافت بسبب تلك الضّوابط التي استلها من الجواب الجدلي، وهو ما يحدث كثيراً لدى العديد من النّاس، عندما يبدأ بتجميع أجوبة لأغراض اجتماعيّة - جدليّة واسكاتيّة -، ويشعر حينها بالتهافت بينها، فهكذا هي الأجوبة الجدليّة ليست بالضّرورة متناغمة ومنسجمة كالحقائق عندما تجتمع، ومن ثمّ يخرج الشّخص بانطباع سلبيّ، والحال أنّ الأجوبة لم تكن علميّة من الأساس بحيث يمكن أن تتناولها من مختلف زواياها، فالقضايا العلميّة عندما تكون صحيحة لا تتهافت، فلابد من تحديد طبيعة الجواب لمعرفة وزنه الحقيقي، وكيف يتم التعامل معه.