آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 1:02 م

شطب التاريخ

محمد أحمد التاروتي *

يتحرك البعض باتجاه رسم وقائع زائفة وكاذبة، بهدف طمس الحقائق ومحاولة ”التشويس“ على التاريخ، من خلال التشكيك في بعض الحوادث التاريخية، حيث يترجم في ”رفض“ كافة الاحداث التاريخية، والعمل على إيجاد مبررات ”خاصة“ لنسفها، او محاولة طرح وقائع مضادة للانتصار للنفس الامارة بالسوء، الامر الذي يعطي انطباعات بوجود دوافع شخصية، وأحيانا ضغوط اجتماعية متعددة، لاسيما وان عملية التسليم بتلك الحقائق يؤثر على المستقبل الاجتماعي، ويقضي على الكثير من الامال المرسومة، لتوسيع رقعة النفوذ الشخصي.

عملية شطب التاريخ لا تجد قبولا لدى الكثير، باعتبارها جزء من الشخصية الاجتماعية، الامر الذي يفسر الرفض الكبير لمحاولات نسف التاريخ، خصوصا وان هذه الصفحات سواء كانت مفرحة او حزينة، باتت ملكا للأجيال القادمة وجزء من ذاكرة الزمن، من اجل الوقوف على الدروس المستخلصة منها، والعمل على تطويعها بما يخدم المسيرة التنموية، والحرص على الحفاظ على التاريخ، والوقوف بحزم امام محاولات العبث بالتاريخ، نظرا للتداعيات المترتبة على تزييف الوقائع، وفقا للاهواء والميول النفسية.

الكثير من الحوادث التاريخية شهدت تحريفا او تزييفا، بحيث يصعب سبر اغوارها، نظرا لاستخدام تقنيات احترافية في عملية التحريف، الامر الذي يتطلب الكثير من الجهود لمحاولة إزالة الأكاذيب المحيطة بها، خصوصا وان عملية تزييف التاريخ تنطلق من المصالح الخاصة تارة والأحقاد الشخصية تارة أخرى، وطورا ثالثا بسبب الخلافات السياسية والخشية من فقدان بعض النفوذ الاجتماعي، مما يحرك بعض النفوس المريضة للتلاعب بالتاريخ، بما يحقق الأغراض الخاصة، ويكرس الواقع القائم، وبالتالي فان التحريف ليس منطلقا من الحرص على تقنية التاريخ، بقدر ما يهدف للتلاعب بالوعي الاجتماعي، والعمل على رسم ثقافة معاكسة للاحداث التاريخية.

نجاح عمليات تزييف التاريخ ليست خافية على الجميع، فالتاريخ القديم والحديث كتبه ”المنتصر“، وأصحاب السلطة السياسية والاجتماعية، الامر الذي يفسر تجاهل الكثير من الاحداث المفصلية، ومحاولة المرور عليها مرور الكرام، نظرا لتأثيراتها في الوعي الاجتماعي بشكل مباشر، فضلا عن كونها غير مرغوبة، نتيجة وقوفها امام أصحاب النفوذ الاجتماعي والسياسي، مما انعكس بصورة مباشرة على وضع وقائع معاكسة للحقائق التاريخية، بهدف تكريس ”التجهيل“ في البيئة الاجتماعي، والحيلولة دون الوصول الى الحقيقة، فالامانة التاريخية ليست مطلوبة في بعض الاحداث، كونها تحدث اضرارا كبيرة، على الوضع السياسي والاجتماعي، مما يستدعي التحرك الجاد لطمس الاحداث، والتحكم في رصدها بشكل مباشر.

شطب التاريخ جريمة كبرى مارستها بعض السلطات السياسية على مر العصور، فالسلطات الحاكمة ليست في وارد وضع المجتمع في الصورة الكاملة، لتفادي حدوث ما لا تحمد عقباه، سواء على الصعيد العقل الفردي او العقل الجمعي، الامر الذي يستدعي قلب الحقائق وممارسة غسيل الدماغ، ”لا يستقيم امرنا بدون سب علي“، وبالتالي فان اللعبة السياسية تفرض انتهاج سياسة التلاعب بالتاريخ، والعمل على تحريك الأقلام باتجاه وضع ”بطولات“ زائفة، والعمل على محاكمة تلك الاحداث بطريقة انتقائية وغير صادقة، من اجل تجييرها في الاتجاه السياسي الحاكم، لاسيما وان نقلها بدون حرفيا يكشف الكثير من الأمور، ويضع بعض النخب السياسية، في مواقع لا تحسد عليه، فالكثير من الاحداث التاريخية وجدت طريقها، للعلن بمجرد اختفاء بعض الشخصيات النافذة، او صعود شخصيات أخرى تتبنى طريقا مخالفا لطريق الشخصيات السابقة وتعمل على النقيض تماما، مما يدفع لفتح الصندوق الأسود، واماطة اللثام عن الكثير من الاحداث السابقة، مما احدث صدمة كبرى في الوعي الاجتماعي، جراء عمليات التجهيل المتعمد الممارس طوال الفترة الماضية.

التاريخ ذاكرة المجتمع البشري، باعتباره الشاهد على الكثير من الممارسات الاجتماعية، مما يستدعي الحفاظ عليه، ورفض كافة محاولات التلاعب فيه، نظرا للتداعيات المترتبة على عملية الانتقائية، في نقل الاحداث التاريخية، وبالتالي فان شطب التاريخ يؤثر على الوعي الاجتماعي، ويسمح بتمرير الكثير من الأغراض دون مقاومة.

كاتب صحفي