آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 11:55 ص

التهور

محمد أحمد التاروتي *

يحاول البعض وضع قدمه في المكان الخاطئ، من خلال اختيار الموقع غير المناسب، والتوقيت الخطأ، مما يجعله عرضة للانتقاد، والاستهزاء في الكثير من الأوقات، نظرا لانتهاج وسيلة معاكسة للطرق العقلانية، لاسيما وان الاختيار الصائب تتطلب الكثير من التأني، والمزيد من الدراسة قبل الاقدام على الخطوة ”المصيرية“، فالاخطاء في الأوقات الخاطئة يصعب تفاديها في الغالب وأحيانا تكون قاتلة، وبالتالي فان محاولات حجز مقعد في الوسط الاجتماعي، يتطلب الحذر والحرص، وعدم انتهاج ”الفوضوية“، نظرا للتداعيات المصيرية المترتبة على هذه الخطوة، باعتبارها الورقة القادرة على الفوز او الهزيمة.

عملية التوازن في اتخاذ القرارات مرتبطة بالامكانيات الذاتية، وكذلك انتهاج المشورة قبل اتخاذ الخطوة التالية، فهناك الكثير من الخطوات تتطلب تهيئة قبل الشروع فيها، نتيجة عوامل اجتماعية ضاغطة، وأحيانا قناعات ثقافية مغايرة، مما يستدعي التحرك الحذر وعدم اتخاذ الخطوات المتهورة، وبالتالي فان التضخم الذاتي يعود علي صاحبه بالسقوط الاجتماعي، مما يجعل عملية النهوض مجددا مكلفة للغاية، الامر الذي يستدعي وضع الأمور في المسارات السليمة، قبل التفكير في وضع الخطوة الاولى، فهناك الكثير من الافخاخ التي يصعب الخلاص منها.

امتلاك الجرأة والقدرة على الوقوف بعكس التيار الاجتماعي، عنصر أساسي في تحقيق الكثير من الأهداف الشخصية، فالمرء الشجاع بامكانه كسر القيود الاجتماعية، والعمل على ترجمة القناعات الشخصية، بطريقة مختلفة تماما عن الثقافة الاجتماعية السائدة، بيد ان الجرأة ليست قادرة على اختراق جدار المرتكزات الاجتماعية القوية، الامر الذي يتطلب الحكمة والتريث، والعمل إيجاد المفاتيح القادرة على تجاوز الأبواب المغلقة، لاسيما وان الوقوف في وجه التيار الاجتماعي لا يقدم ولا يؤخر في بعض الأحيان، بقدر ما يجلب الويلات سواء من الناحية المادية او المعنوية، الامر الذي يستدعي وضع الجرأة جانبا أحيانا، والعمل على انتهاج العقلانية، باعتبارها الوسيلة المناسبة في المرحلة الراهنة.

السقوط في مستنقع الغرور الذاتي، يحدث نتائج عكسية على الصعيد الاجتماعي، فالمرء الذي يحاول الخروج عن المألوف، وضرب الأعراف الاجتماعية، سيجد المقاومة الكبيرة والقادرة على احداث خسائر كبيرة على الصعيد الشخصي، لاسيما وان البيئة الاجتماعية غير مستعدة على السكوت تجاه ممارسات تحطيم القواعد الاجتماعية، مما يدفع باتجاه الدخول في مواجهة مباشرة وحرب حقيقية، انطلاقا من الدفاع عن المنظومة الاجتماعية الحاكمة، بيد ان نتائج الحرب ستكون محسومة سلفا، فمهما طالت فترة الحرب القائمة بين الطرفين، فانها ستحقق الانتصار للطرف الأقوى ”الكثرة غلبت الشجاعة“، بمعنى اخر، فان الاعتماد على الشجاعة لا يوفر العوامل القادرة، على تحقيق الانتصار في نهاية المطاف.

التهور ينطلق أحيانا كثيرة من قراءة خاطئة للبيئة الاجتماعية، فهناك بعض المؤشرات المشجعة أحيانا للاقدام على بعض الخطوات الجرئية، ولكنها ليست كافية للشروع في ممارسات صادمة، وغير مقبولة لدى البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الثقافة الحاكمة تتقاذفها الكثير من التيارات الاجتماعية، مما يجعل السيطرة عليها غاية في الصعوبة، وبالتالي فان القدرة على التعامل مع تيارات اجتماعي، ليست مدعاة للانخراط في الاعمال المتهورة، دون ملاحظة ردود أفعال التيارات الاجتماعية الأخرى، لاسيما وان كل تيار يمتلك الكثير من الأدوات القادرة، على احداث الأثر في الثقافة الاجتماعية السائدة، مما يتطلب دراسة جميع الاحتمالات، وعدم الاستناد على بعض المؤشرات الخادعة.

غض الطرف عن بعض الممارسات المتهورة، ليست مدعاة للامعان في التهور غير المنضبط، فهناك خطوط حمراء يصعب تجاوزها باعتبارها مرتكزات راسخة، وليست قابلة للمساومة او المهادنة، الامر الذي يفسر الكثير من المواجهات الاجتماعية، لاسيما وان عملية التعدي على الثوابت الاجتماعية يؤسس لمرحلة صعبة، ولعل ابرزها تحطيم الكثير من القواعد الحاكمة، التي تمثل الهوية الاجتماعية خلال العقود الماضية.

يبقى التهور ممارسة غير مقبولة على الاطلاق، نظرا لما تمثله من تداعيات على الثقافة الاجتماعية، وبالتالي فان اللجوء الى العقلانية، وعدم انتهاج السياسة الصدامية، يمثل احدى الخيارات المناسبة، لاضفاء المزيد من التماسك الداخلي، والحيلولة دون الانخراط في مواجهات، غير متكافئة على الاطلاق.

كاتب صحفي