آخر تحديث: 1 / 12 / 2020م - 7:08 م

التخصص

محمد أحمد التاروتي *

التطفل على الاختصاصات ممارسة يومية، وغير طارئة على الاطلاق، فالبعض يحاول القفز على الجهل ”الذاتي“، بادعاءات المعرفة والجزم بامتلاك العلم في العديد من التخصصات الإنسانية وأحيانا العلوم غير الإنسانية، من خلال إيهام بعض الشرائح الاجتماعية بالتبحر في العديد من العلوم، ”يهرف بما لا يعرف“، مما يجعله يتجاوز الاطار المرسوم، والانخراط في زوايا غير محبذة على الاطلاق، بحيث يمارس ”الدجل“ ومحاولة البروز بشكل معاكس للنسق الطبيعي، لاسيما وان عملية القفز تكون اثارها عكسية، سواء على الصعيد الشخصي او الجمعي، مما يحدث حالة من الانكسار الداخلي لدى هذه الشريحة ”المتضخمة“ ذاتيا.

احترام الاختصاص يعكس تقدير الذات أولا ومحاولة رسم مسار محدد في الحياة ثانيا، من خلال انتهاج الطريق السليم، والعمل على تنمية القدرات الشخصية، مما يسهم في الصعود التدريجي في سلم النفوذ الاجتماعي، لاسيما وان التخصص يعطي المرء مكانة خاصة لدى البيئة الاجتماعية، بحيث تبرز على اشكال مختلفة، بعضها مرتبط بطريقة التعاطي مع أصحاب الاختصاص، والبعض الاخر نابع من رفع مكانة هذه الفئة، باعتبارها ثروات وطنية يجدر تقديرها بالشكل المناسب.

عملية التخبط في كافة الاتجاهات وغياب الهدف في الحياة، عناصر أساسية في الانخراط غير المتوازن في مسالك خاطئة، لاسيما وان الشعور بالضياع يولد مشاعر عكسية، مما يدفع لانتهاج وسيلة الخداع والكذب، والعمل على رسم عالم ”خيالي“، عبر الترويج للذات بامتلاك قدرات، وإمكانيات خارقة غير متاحة للاخرين، الامر الذي يتمثل في الدخول بانفاق مظلمة، دون القدرة على الخروج منها، نظرا لعدم امتلاك الأدوات اللازمة القادرة على انارة تلك الطرق المظلمة، وبالتالي فان العملية ليست بالادعاءات او رسم البطولات الوهمية، وانما بالافعال والقدرة على ترجمة تلك الاقوال، الى ممارسات فعلية، ”في الامتحان يكرم المرء او يهان“.

وجود عناصر مشجعة، تخلق واقعا بائسا في البيئة الاجتماعية، بحيث يترجم على شكل طفليات تشوه المنظر العام، من خلال الادعاءات الكاذبة لامتلاك القدرات، والإمكانيات للدخول في مختلف التخصصات، لاسيما وان النجاحات المؤقتة في خداع بعض البسطاء، يشجع على مواصلة ”الكذبة“ حتى النهاية، بيد ان ”حبل الكذب قصير“، مما يسهم في انكشاف تلك الأكاذيب، وتلاشى كافة الاحلام المرسومة في عالم الخيال.

المجتمعات الواعية قادرة على وضع أصحاب التخصصات في المكانة المناسبة، فهذه الشريحة ثروة لا تقدر بثمن، بالإضافة الى ان الكفاءات التخصصية ترفع من مكانة المجتمع في الأمم الأخرى، خصوصا وان التقدم البشري مرتبط بمدى التطور العلمي، وكذلك بالاستثمار الامثل في تنمية الموارد البشرية، وفتح الافاق امامها للانطلاق بقوة في سماء المعرفة والعطاء ”يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ. وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ“.

فيما يواجه أصحاب التخصصات معاناة شديدة، في الحصول على التقدير المناسب في المجتمعات المتخلفة، سواء نتيجة تزايد الدخلاء على العلم، مما يحدث حالة من الالتباس، او جراء عدم التمييز بين الكفاءات الحقيقية، وادعياء المعرفة والعلم، الامر الذي ينعكس على الالتفاف على الجهلاء، والعزوف عن أصحاب المعرفة ”ارحموا عزيزا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع في زمان جهال“، فالبيئة الاجتماعية الجاهلة ارض خصبة لنمو الادعياء، مما يجعل أصحاب التخصصات الحقيقية غرباء، وغير قادرين على العطاء، الامر الذي يدفع للانزواء لتفادي التعرض للاساءة، من انصاف العقول.

التخصص يعطي المرء المكانة الحقيقية في البيئة الاجتماعية، فالمرء الذي يبدع في احد العلوم، يشكل مرجعية لدى الكثير من الفئات الاجتماعية، نظرا لحاجة المجتمع لهذه النوعية من الطاقات البشرية، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.

كاتب صحفي