آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 4:10 م

الوعي الاجتماعي

محمد أحمد التاروتي *

الوعي الاجتماعي رافعة حقيقية للتحرك وفق اليات ومنهجيات واضحة المعالم، لاسيما وان امتلاك الوعي يحول دون الانخراط في مسالك وطرق وعرة، مما يسهم في حفظ التماسك الداخلي وعدم الانجرار وراء الشعارات، التي يروج لها بين فترة وأخري، الامر الذي يولد حالة من الاعتزاز بالموروث الثقافي، باعتباره عنصر توازن واستقرار على الصعيد الاجتماعي.

القدرة على التمييز بين الصالح والطالح، احدى ملامح الوعي الاجتماعي، فالمجتمعات التي تفشل في الاختيار الصائب تقع فريسة سهلة في المخططات المرسومة لها، الامر الذي يفقدها القدرة على التعاطي بمسؤولية مع القضايا الشائكة، والملفات المتداولة، نظرا لافتقارها للبوصلة القادرة على قراءة الوجهة الصحيحة، مما ينعكس على حالة الضياع وعدم الاستقرار على الصعيد الاجتماعي، خصوصا وان عملية التماسك الداخلي مرتبطة بوجود ضوابط صارمة، قادرة على تحديد المسارات بدقة متناهية.

مواكبة التطور والتفاعل مع المستجدات، لا يتناقض مع الوعي الاجتماعي، فالاستفادة من تلك التقنيات وتسخيرها بالشكل الإيجابي، احدى ملامح الوعي الاجتماعي، نظرا لما تمثله المرونة من انعكاسات على الكثير من الأصعدة، بالإضافة لذلك فان الجمود ورفض التطور يعكس الافتقار للوعي اللازم، لاسيما وان المجتمعات الرافضة للتطور ستجد نفسها في مؤخرة الركب، الامر الذي يعرقل جميع التحركات لمحاولة اللازمة لركب الأمم المتقدمة.

الانخراط في السلوكيات الشاذة، ومحاولة ركوب موجة التطور بالطريقة الخاطئة، يعطي انطباعات سلبية تجاه تلك المجتمعات، فالتطور ليس مدعاة للسير بطريقة معاكسة، وانما يستدعي تصحيح السلوكيات المعوجة، والعمل على إصلاحها لتصب في المصلحة العامة، عوضا من استخدامها بالشكل الخاطئ، لاسيما وان استيراد بعض السلوكيات ومحاولة فرضها على الواقع الاجتماعي، ينم عن قصور كبير في الوعي الاجتماعي، نظرا لخطورة مثل هذه المسالك على البيئة الاجتماعية، باعتبارها خطوات تدميرية وليست إصلاحية.

تخريب الموروث الثقافي والعمل على التلاعب بالمفاهيم، ورسم صورة مغايرة للتطور الاجتماعي، يكشف هشاشة بعض المجتمعات، وعدم قدرتها على مقاومة الثقافة الوافدة، لاسيما وان التمسك بالموروث الثقافي لا يتناقض مع الوعي الاجتماعي، فهناك الكثير من الثقافات الوافدة يتم تشذيبها بطريقة مثالية، بهدف احداث توافق كبير مع الموروث الثقافي الاجتماعي، الامر الذي يتمثل في محاولة الاستفادة من الثقافة الاجتماعية السائدة، بما يخدم الجميع، فيما التخلي عن الموروث الثقافي يعكس حالة من الانهزامية، وعدم القدرة على التفاعل الإيجابي مع المفاهيم الوافدة، الامر الذي يشكل خطورة كبرى، على الوعي الاجتماعي الداخلي، حيث يتجلى في بروز أجيال غير قادرة على التمييز بين الصالح والطالح، جراء طغيان الانبهار تجاه الثقافة الوافدة.

المظاهر الكذابة لا تمت بصلة للوعي الاجتماعي، فالعملية مرتبطة بامتلاك الإمكانيات الذاتية، وليست مرهونة ببعض المصطلحات التي تتردد على الالسن، فالمظاهر الخادعة ليست قادرة على بث الوعي الاجتماعي في الشرائح الاجتماعي، بقدر ما تعمل على التنويم المغناطيسي، وقتل روح المقاومة الداخلية، خصوصا وان التركيز على المظاهر يقضي على محاولات تكريس الواعي الاجتماعي، لدى غالبية الفئات الاجتماعية، لاسيما وان عملية الوعي تتطلب الكثير من الجهد، لاحداث انقلاب حقيقي في العقل الجمعي، الامر الذي يستدعي البحث عن الأدوات القادرة، على اثارة المنطقة الساخنة بالعقل الجمعي، عوضا من الركون الى المنطقة الباردة في العقل الجمعي، وبالتالي فان الركض وراء المظاهر يشكل خطورة كبرى على الوعي الاجتماعي.

تعزيز الوعي الاجتماعي عملية جماعية، بيد ان النخب الثقافية ومراكز القوى الاجتماعي، تتحمل الجزء الأكبر في تكريس هذه المهمة الكبرى، لاسيما وان الارتقاء بالوعي يستدعي وضع العديد من البرامج، والمزيد من الأنشطة، بهدف تحريك المياه الراكدة في المجتمع بما يحقق الهدف الاسمى، خصوصا وان الوعي الاجتماعي يشكل جدار قوي الهجمات الكثيرة، التي تحاول دفع المجتمع للتخلي عن الموروث الثقافي، والعمل تبني بعض المفاهيم الوافدة، لاسيما وان المفاهيم الوافدة تشكل خطورة على التماسك الداخلي، فضلا عن فشلها في معالجة العديد من الملفات الداخلية، كونها غير قادرة على فهم البيئة الاجتماعية بالشكل السليم.

كاتب صحفي