آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 9:41 ص

فائدة لغوية: «11» ”قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه“

الدكتور أحمد فتح الله *

في قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُتِلَ الْإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس: 17]، أربع مفردات:

1 - ”قُتِلَ“: للمبنى المجهول مِنْ ”قَتَلَ“، وهنا ليست بمعنى القتل، الذي هو ”نقض بنية الحياة“ «مفردات القرآن في مجمع البيان لإلياس كلانتري» [1] ، بل دعاء عليه «جامع الجوامع للفضل بن الحسن الطبرسي، ج2، ص 712» [2] ، بمعنى ”لُعِنَ“، فالغرض منه الدعاء بالطرد من رحمة الله، والغرض من ذلك استنكار ما يعمله «معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية في القاهرة، ج2، ص340». وقد جاءت هذه الصيغة بهذا المعنى في آيات أخرى:

- ﴿قُتِلَ الخَرَّاصُون [الذاريات: 10]، وهم الكَذَّابُون، والخَرْص في الأصل هو الظَّن، ويقال لِمَنْ يُكْثِرُ منه ”خرَّاص“، والجمع ”خرَّاصون“. ويستعمل في الكِذْب، وما جاء في القرآن هو على المعنى الثاني، و”قُتِلَ“ هنا هي دعاء عليهم بالبعد من رحمة الله، واستنكار ضمني لعملهم. «معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية في القاهرة، ج2، ص 343»

- ﴿فَقُتِلَ كيف قدَّر ثم قُتِلَ كيف قدَّر [المدثر: 19 -20]، ”أي تعجيبٌ من تقديره، أو ثناءٌ عليه على طريقة الاستهزاء به. يقول القائل: قتله الله ما أشجعه، وقاتله الله ما أشعره، ومعناه أنه حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده“ «جامع الجوامع للطبرسي، ج2، ص 677». و”قاتله الله“ جاءت أيضًا في القرآن، كما في آية: ﴿قَاتَلَهَمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونْ [المنافقون: 4]، أي دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم «جامع الجوامع للفضل بن الحسن الطبرسي، ج2، ص 611»

2 - ”الْإِنسَان“: الواحد من جنس بني آدم، أي البشر، ويطلق على كل من الذكر والأنثى. «معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية في القاهرة، ج 1، ص 63»

وقيل ”الكافر“، حين يكفر، وسيأتي المعنى في الحديث عن ”أكفره“ أدناه. وروى الأعمش عن مجاهد: ”إنما عني به الكافر“ «تفسير القرطبي» [3] .

وقيل: هو عتبة بن أبي لهب. عن ابن عباس «رضي الله عنه» قال: ”نزلت في عتبة بن أبي لهب، وكان قد آمن، فلما نزلت «والنجم» ارتد، وقال: آمنت بالقرآن كله إلا النجم، فأنزل الله «جل ثناؤه فيه» «قتل الإنسان»“ «تفسير القرطبي» [4] ، وعليه المراد ب ”الإنسان“ في الآية هو عتبة بن أبي لهب حين كفر بالقرآن.

3 - ”مَا“: ولها تفسيران هنا:

- إمّا هي استفهامية «سؤال»، كما في ”ما رأيك؟“، و”ما الذي منعك؟“، وأمثلتها في القرآن الكريم كثيرة، على سبيل المثال: ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي [البقرة: 133].

- أو تعجبيَّة، كما في ”ما أكرمك!“، و”ما الطف الجو هذا اليوم!“، وأمثلتها في القرآن الكريم كثيرة، على سبيل المثال: ﴿فما أصبرهم على النار [البقرة: 175].

4 - ”أَكْفَرَه“، مِنْ كَفَر يَكْفُر، كُفْر، وهو كافر. والكفر على معانٍ ثلاث: عدم الإيمان، عدم الشكر «الكفران»، الجحود، أي جحود الحق وستره بأي غطاء كان «مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله، ناصر مكارم الشيرازي ج4، ص277». فإن كانت ”ما“ استفهامية ف ”أَكَفَر“ تكون بمعنى ”جَعَلَهُ يَكْفُر“، والهاء ضمير متصل يعود على الإنسان الذي سبق ذكره في الآية؛ وعليه تكون ”ما أكفره“ سؤال: أي شيء جعله يكفر؟ وهو استفهام توبيخي؛ ما الذي يجعل ”الإنسان“ يجحد النعمة، مع معرفته بكثرة إحسان الله إليه، أو ما الذي جعل عتبة بن أبي لهب «حسب سبب نزول الآية» يرتد «يرجع عن اسلامه» بعد معرفة الحقّ؟

وإن كانت ”مَا“ تعجبيَّة: فمعنى ”مَا أَكْفَرَه“ يكون ”مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ“! وعادة العرب، كما ذكر آنفًا، إذا تعجبوا من شيء قالوا: ”قاتله الله ما أحسنه“! و”أخزاه الله ما أظلمه“! والمعنى: عجبًا لهذا ”الإنسان“، المقصود في الآية، أن يجحد مع معرفته بكثرة إحسان الله إليه، يقول الطبرسي فيه: ”تعجبٌ من إفراطه في كفران نعم الله“ «جامع الجوامع للفضل بن الحسن الطبرسي، ج2، ص712»، أو عجبًا لعتبة بن أبي لهب «حسب سبب نزول الآية» أن يعود لكفره السابق، وهذا تعبير عن استعظام الأمر، فعلًا وصفةً.

فوائد تابعة

[1]  مجمع البيان يراد به ”مجمع البيان في تفسير القرآن“ للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، من أكابر علماء الإمامية في القرن السادس الهجري.

[2]  ”جامع الجوامع“ هو مختصر في مجلدين لِكتابه ”مجمع البيان في تفسير القرآن“ المذكور في هامش رقم «1» أعلاه.

[3]  ”تفسير القرطبي“ هو: ”الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان“، ومؤلفه العالم الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفي سنة 671 هـ .

[4]  تكملة هذه الراوية المذكورة: ”ودعا عليه رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلم» فقال: اللهم سلط عليه كلبك أسد الغاضرة فخرج من فوره بتجارة إلى الشام، فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلم»، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيًّا، فجعلوه في وسط الرفقة، وجعلوا المتاع حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما دَنَا من الرحال وثب، فإذا هو فوقه فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما قال محمد شيئًّا قط إلا كان“ «تفسير القرطبي». والغاضرة: اسم سميت به قبائل من العرب؛ غاضرة في ثقيف، وغاضرة في بني أسد بن خزيمة، وغاضرة في بني صعصعة بن معاوية «شمس العلوم، نشوان بن سعيد الحميري، ت 573 هـ »، والغاضرية: منسوبة إلى غاضرة من بني أسد: وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء. «معجم البلدان لياقوت الحموي ج4 ص 183»
تاروت - القطيف