آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 5:49 ص

لماذا نفشل في بناء فريق عمل؟

زكريا أبو سرير

يبدو أن هناك ظاهرة بارزة وسيئة بين فرقاء العمل، وهي عدم الانسجام بين بعضهم بعض هذا من جهة، ومن جهة آخري قد تكون بينهم وبين قائد المجموعة، ولقد استمعت لبعض الأصدقاء المنتسبين بعض منهم في القطاع العام والآخر في الخاص، حالة من التذمر والتشكي المستمر من البيئة التي يعملون فيها، وأقصد من البيئة بالتحديد ليست المكان وهيئته وإن كان هذا شرطا أساسيا في تأثيره على الإنتاجية، حيث البيئة تلعب دورا مهما في تحسين إنتاجية الموظف إن كانت ملائمة نفسيا للعمل، إلا أن المقصود هو في فريق العمل، أي الأفراد الذين يتشكلون على هيئة مجموعات متعددة وفي أماكن مختلفة كل حسب طبيعة عمله.

حيث أصبح هذا النوع من التذمر عند هذه المجموعات من الأمور الروتينية في حواراتهم اليومية، مما يعكس حالة من سلبية على الأهداف أو الإنتاجية، وقل ما تجد أحدا من أفراد هذه المجموعات يشعر بارتياح نفسي من أجواء فريق عمله، واستنهاض السؤال الأزلي بينهم وبين إداراتهم، لماذا ما زلنا نفشل في تأسيس بناء فريق عمل ناجح؟

برغم بعض قطاعات العمل بشقيه العام والخاص، وخاصة في القطاع الخاص تكثر تقريبا فيه تقديم الدورات الثقافية في هذا الاتجاه وذلك لأهميته، ولكن دون إيجاد ثمرة نافعة، حيث يتبين بعد هذه الدورات الثقافية المكلفة ماديا، تجد استمرارية ضعف جهاز هذا الفريق من خلال عدم التمكين من الانسجام بين أفراد المجموعة، والفشل في تحسين الإنتاجية، وطفح حالة من التباين بينهم، وكثرة المشاكل وصعوبة معالجتها، ونفخ روح حالة الأنانية عند البعض منهم، والمزاجية النفسية التي تصاحب البعض منهم طوال فترة العمل، وعدم الانضباطية، وغيرها من الأسباب السلبية الذي تؤدي نهاية المطاف إلى عدم أداء الفريق حسب الخطة التي رسمتها الإدارة.

وهنا أشير لمسألة مهمة، وهي ظن البعض من القادة بأن مفهوم بناء فريق العمل، هو عبارة عن تطبيق حزمة من الإجراءات والسياسات الذي يلزم بها المجموعة أو موظفيهم بها، ومن ثم تقف هذه الجهة الإشرافية على كل فرد لمحاسبة من لم يلتزم بهذه الحزمة المنفوخة من الأوامر والإجراءات الجافة، فضلا عن التنمرات الصادر منها، إلا أن هذه الحزمة من الإجراءات والسياسات، تُعد أحد أجزاء بناء الفريق وليس هي الأساس في صناعة الفريق، حيث تكون واحدة من العناصر المساعدة لبناء الفريق، وليست هي القواعد الأساسية في بنائه.

يبدو لي من أبرز السمات الأساسية لبناء فريق العمل، في ظني ومن خلال الخبرة المتواضعة الذي اكتسبتها من خلال عملي هي خمس قواعد مهمة: الأخلاق والنموذج في تمثيل القدوة الحسنة والخبرة الاجتماعية والخبرة العملية وبث روح الثقة في أعضاء الفريق، بل ينبغي على قائد المجموعة أن يتمتع بها، وفي حال توفرت هذه الخمس السمات لدى القائد أو الرئيس أو المدير أو أي مسمى إشرافي على أي مجموعة، استطاع قائدها صناعة فريق عمل نجاح ومميز.

ماذا تعني هذه السمات أو القواعد التأسيسية لبناء فريق العمل؟

أولا: مبدأ الأخلاق، وهو المنظومة الثقافية الذي تمثل كل الأبعاد الإنسانية، الذي من خلالها يستطيع القائد أن يخترق قلب كل فرد من أفراد المجموعة، ويجعله طوعا له دون الحاجة حتى أن يلفظ قائده حرفا واحدا، لأن هذه المنظومة بما تحمله من ابعاد انسانية حين تطبق عمليا يكون لها انعكاس إيجابي على نفسية كل فرد من المجموعة، وهي كما يشار إليها لغة الروح، والعكس هو الصحيح، أي فساد اخلاقي يعني فساد الفريق.

ثانيا: تمثيل القدوة، لا يكفي للقائد أن يكون ذا ثقافة واسعة ومبادئ جميلة دون تطبيقها على واقع حياته الشخصي والعملي، أو لا يراها أفراد الفريق عنوانا في شخصية قائدهم، بل ينبغي أن يترجم هذا المبادئ على نفسه أولا حتى يؤثر بها من خلالها على غيره، وإلا كما قيل فاقد الشيء لا يعطيه.

ثالثا: الخبرة الاجتماعية، الإنسان بطبيعته خلق انسانا اجتماعيا لا انعزاليا، لهذا الإنسان يتعلم كيفية كشف أسرار أصناف البشر من خلال اختلاطه ومعاشرته معهم، ومن ثم يتمكن من التأهل لمعرفة التعامل مع الآخر، وفريق العمل عبارة عن مكون اجتماعي مختلف الأطباع في غالب الأمور الحياتية، سواء كان في التفكير أو الأمزجة أو الثقافة أو اللغة وغيرها من هذه الأمور الاجتماعية والحياتية، وكلما كان قائد الفريق إنسانا اجتماعيا كان قادرا ومتمكنا من بقاء فريق العمل قويا وناجحا ومتفهما لتلك الظروف الحياتية الذي سوف يمر بها فريق العمل، لأن الحالة الاجتماعية تعني جوهرة الإنسان.

رابعا: الخبرة العملية، وهي المحصلة أو الزبدة الحياتية والعملية، الذي تُعد الكاشفة للقائد على كل دهاليز أنظمة وقوانين وسياسات وإجراءات المنشأة، فضلا عن طبيعة العمل ومشاكله التقنية، لهذا الخبرة تمثل المتنفس الأول لفريق العمل، أو الركيزة الأساسية الذي يعتمد عليها فريق العمل في كل شؤونه العملية، بل هي الجهة الذي تمثل الواجهة الاستشارية للموظفين.

خامسا: بث روح الثقة في الأعضاء أو المجموعة، بمعنى تنزيه المجموعة من أي شكوك أخلاقية وغيرها، والإيمان بها ووضع ثقل واعتماد القائد على كفاءة فريق عمله، وهذا يُعد درجة عالية في التعامل الإنساني، تشعر الطرف الآخر بقيمته الشخصية وقيمته العملية، ومن ثم يعزز روح الولاء عند الفريق مما يجعله في طور التحديات واستمرارية في الإنتاج بصورة مرضية وحسنة.

وفي حالة فقد ولو واحدة من هذه القواعد يصعب بناء فريق عمل نجاح، وينبغي التركيز على البندين الأوليين وهما الأخلاق وتمثيل القدوة، حيث لو فقدت هذه السمتين من شخصية القائد يصعب إنجاح أو إدارة أي فرد، حتى ولو كان قائدها يمتلك أعلى الشهادات والخبرات في هذا المجال، وقد أكد هذه الحقيقة الكونية ربنا سبحانه وتعالى في قوله في سورة آل عمران آية رقم 159: ”فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك“.

إذن من خلال هذه القواعد، نستطيع الإجابة على سؤالنا لماذا نفشل في بناء فريق عمل نجاح، ومن منطلق هذه القواعد يستطيع قائد أي مجموعة بناء فريق عمل ناجح ومميز بإذن الله تعالى، وعلى وفق هذه القواعد الأساسية، يستطيع أن يضع قائد المجموعة كل ثقل بقية العناصر التي تم تأسيس فريق العمل لأجلها، من السياسات والإجراءات ورسم الخطط والمنتج والأهداف والانسجام وتوزيع المهام والتقييم والمحاسبة والتطوير وغيرها من عناصر الإنتاج الذي يتحملها فريق العمل على عاتقه.