آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:37 ص

البلهاء

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

بالتأكيد لا تمتلك الوقت الكافي للاطلاع على كافة الرسائل على هاتفك الذكي حيث أصبح الفرد المتوسط من المجتمع يتلقى من المعلومات ما تزيد على قدرته الطبيعية للاطلاع عليها بشكل دقيق. في ظل طوفان البيانات التي يتلقاها هاتفك الذكي، هل بالإمكان معالجة هذه البيانات بالأسلوب التقليدي أي «القراءة». فالاتجاه نحو المسح الضوئي للاطلاع على هذه البيانات بديل لا مناص منه.

المسح الضوئي أو ما يعرف ب Flashing هو طريقة سريعة تعتمد المسح السريع للبيانات دون فهم بقدر ما هو تصنيف البيانات حسب اهتماماتنا وإزالتها بسرعة. إن المسح الضوئي يثير أسئلة حرجة لمصير أدوات التثاقف. بالتأكيد إن القراءة المنهجية التي يعتمد عليها الإنسان في تأصيل وبناء ثقافته تتعرض لهجوم جارف من قبل ما ينتجه المسح الضوئي من وجبات قرائية سريعة. إنه عالم الوجبات السريعة فلماذا لا يكون كذلك في عالم القراءة؟.

إن الوجبات السريعة التي ينتجها المسح الضوئي تخلق و بشكل بطيء تسطيحاً للعقل و تجريفاً للمنهج الفكري للمجتمع. إن الخلط بين تطبيقات التواصل و أدوات التثاقف فيه يكمن الخطر القاتل الذي ينتج جيلاً من البلهاء الذين لا شغل لهم إلا مسح البيانات وتناقلها دون استيعاب أو تحليلإن الإشكال الخطير الذي تواجهه أجهزة البناء الثقافي في المملكة هي الخطط والتحضيرات اللازمة في استيعاب هدا التنامي المتزايد لاستبدال القراءة التقليدية بالمسح الضوئي مع وصول الهواتف الذكية لكل مستخدم حتى الأطفال. إن الوجبات السريعة التي ينتجها المسح الضوئي تخلق وبشكل بطيء تسطيحاً للعقل وتجريفاً للمنهج الفكري للمجتمع. إن الخلط بين تطبيقات التواصل وأدوات التثاقف فيه يكمن الخطر القاتل الذي ينتج جيلاً من البلهاء الذين لا شغل لهم إلا مسح البيانات وتناقلها دون استيعاب أو تحليل. إن الواتساب وغيره لا يخلق ثقافة بديلة للثقافة الاصيلة ولا يعد حتى مصدراً بحثياً معتمداً لتزويد المستخدمين بالمعلومات بل هو أداة تواصل لا ثقافة، فكيف وقد أصبح ثقافة بحد ذاته.

لعل صوت الإنذار خافت ويمكن تضخيمه من خلال مقارنة بين حجم مبيعات الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب وحجم تنامي سوق الأجهزة الذكية في المملكة، فقد نقلت الصحف المحلية أن حجم مبيعات الكتب في معرض الرياض بلغت 25 مليون ريال وبلغ زوار المعرض سبعمائة ألف.

و إذا ما اعتبرنا معرض الكتاب دائماً فهل يستطيع منافسة مبيعات الهواتف الذكية؟ في محاضرته في مؤتمر التقنية بلا حدود 2011بين المهندس عبد الله الكنهل مدير إدارة تطوير الخدمات في قطاع الأفراد لشركة الاتصالات السعوديه أن عدد مبيعات الهواتف الذكيه في السوق السعودي وصلت بنسبة 30 بالمائة وهنالك 4 ملايين مستخدم للهواتف الذكية في السعودية وهي قابلة للزيادة في العام 2012 حيث من المرجح وصولها إلى 6.19 مليون مستخدم للهواتف الذكية وتعتبر المملكة من الدول العشرة الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف الذكية بنسبة وصلت إلى 388 بالمائة.

إن التمييز بين القدرة الخدماتية للهواتف الذكية لسعة تطبيقاتها واعتبارها مصدراً للتثاقف هو حجر الزاوية في المعضلة التي يجب أن يبدأ صانع القرار مواجهتها لأن قضية الثقافة تعني أن البنى التحتية للهوية العربية الإسلامية للمجتمع ستجرف بشكل هادئ حتى تنهار على أعقابها وعندئذ نضيف لتخلفنا بعداً جديداً. المسح الضوئي وثقافة الوجبات السريعة يعني أن إهمال التدارك لوضع المحددات التربوية والعلمية لهذه التقنية التي لا محالة ستقضي على الكتاب الورقي وستقلص الفجوة حتى تضمحل بين القراءة التقليدية والالكترونية وعندئذ يمكن التنبؤ بشكل مجتمع العقد القادم من الألفية الثالثة بأنه مجتمع يدرك قضاياه بالاستحسان والتصويب المزاجي وليس بالأدوات العقلية والعلمية.