آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 9:41 م

صناعة البطل

محمد أحمد التاروتي *

تحفل الكتب القصصية بمئات الحكايات البطولية، بعضها من نسج الخيال والبعض الاخر مبالغ فيها، فالاهداف من وراء سرد تلك القصص البطولية متعددة، منها لتسلية للأطفال عبر اختراع بعض الابطال ونسج الاساطير غير الواقعية، منها محاولة تهيئة الظروف لصناعة جيل من الابطال، عبر استدعاء الماضي وتسليط الضوء على القصص البطولية، خصوصا وان عملية صناعة الابطال تتطلب نشر ثقافة التضحية والفداء لدى الأجيال الصاعدة، الامر الذي يستدعي تحريك أصحاب الأقلام للبحث في صفحات التاريخ، لاكتشاف القصص البطولية التي تمجد التاريخ.

تهيئة البطولة في النفوس عملية تراكمية وليست طارئة، خصوصا وان المجتمعات التي تقف على صحفات مشرقة وقصص فدائية، قادرة على شحن النفوس باتجاه تمجيد تلك السير البطولية، بخلاف المجتمعات التي تفتقر للاسماء البطولية، والشخصيات الفدائية، فهذه المجتمعات بحاجة الى الكثير من الجهد، لاستدعاء القصص البطولية من المجتمعات الأخرى، بهدف صناعة البطولة في النفوس، لاسيما وان عملية الصمود والانتصار في الحروب على اختلافها، تتطلب الاقدام والتضحية، وبالتالي فان نشر ثقافة البطولة تشكل احدى ملامح مشروع ”صناعة البطل“ في المجتمع، خصوصا وان المجتمعات بحاجة الى أجيال لا تعترف بالخوف، ولا تتردد في الدخول في اتون المعارك بكل ثبات.

عملية صناعة البطل تأخذ اشكالا متعددة، من اجل تكريس هذه الثقافة في البيئة الاجتماعية، فالرحلة طويلة للوصول الى الهدف المنشود، مما يستدعي انتهاج كافة الاشكال، والعمل على وضع الخطط المتعددة، بحيث لا تقتصر على نشر القصص البطولية، وانما تتوسع لتدخل في المناهج الدراسية العامة، اذ تحفل الكثير من المناهج الدراسية بالقصص البطولية، ذات العلاقة بالتاريخ الوطني، وكذلك الاحداث التاريخية القديمة، بهدف تكريس الاعتزاز بالنفس والافتخار بالتاريخ الوطني، مما يشكل محفزا لتحريك الأجيال الصاعدة، والحرص على الاقتداء بتلك الشخصيات البطولية، الامر الذي يسهم في تحقيق الهدف المنشود، خصوصا وان صناعة الابطال لا تستهدف خلق جيش قوي للوقوف في وجه الأعداء فقط، وانما الحرص على خلق جيل قادر على مواصلة المسيرة الوطنية، والدفاع عن المنجزات، ورفض جميع الضغوط، او التنازل عن المكاسب المتحققة خلال العقود الماضية.

يمثل التاريخ الوطني مصدر اشعاع ووقود للأجيال الناشئة، الامر الذي يفسر حرص الدول على نبش الماضي، لاحياء القصص البطولية، والعمل على تقديمها بشكل واقعي، وأحيانا بصورة درامية، حيث يتم إضافة الكثير من ”البهارات“ لتلك الشخصيات، سواء بغرض تقديمها بطريقة تتواكب مع الثقافة السائدة، او لمحاولة تعظيم تلك الشخصيات بطريقة غير واقعية، وبالتالي فان الاعتزاز الوطني بتلك الشخصيات يستهدف الهام الأجيال الصاعدة، والحرص على تكريس تلك الشخصيات، في الوجدان الاجتماعي، لاسيما وان تجاهلها يعتبر اجحافا بحجم التضحيات، التي قدمتها في خدمة المجتمع، وكذلك فانه التجاهل يضع في الشخصيات في خانة النسيان، وعدم الاستفادة منها، في سبيل الالهام، والسعي لصناعة ابطال، تحمل مشعل البطولة والفداء في المستقبل.

ثقافة صناعة الابطال تجد أصداء إيجابية، وقبولا كبيرا في البيئة الاجتماعية، الامر الذي تحاول الجهات الفاعلة استغلاله بالطريقة المناسبة، لاسيما بالنسبة للقصص البطولية من الموروثات الاجتماعية القديمة، مما يستدعي تقديمها بطريقة مختلفة وأحيانا عصرية، من اجل المحافظة على الزخم القوي، الذي تحظى به تلك القصص في الوجدان الاجتماعي، فصناعة الابطال هدف سامي وغير قابل للمساومة، نظرا لاهميته على الصعيد الجمعي، فالمجتمعات بحاجة الى كوادر قوية، وقادرة على الإمساك بزمام الأمور، لمواجهة التحديات على اختلافها، الامر الذي يتطلب البحث الدائم عن العناصر الداعمة، لتكريس ثقافة صناعة الابطال في البيئة الاجتماعية.

البطولة ليست محصورة في الميدان العسكري، والنزال المباشر، وانما تشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، فالمجتمعات بحاجة الى كافة الكفاءات والقدرات، لاستكمال مسيرة النهضة الشاملة، مما يتطلب إيجاد الابطال في مختلف المجالات العلمية والعملية، لاسيما وان عملية التنمية الشاملة تتطلب تكاتف كافة الجهود، وعدم التفريط بالطاقات البشرية، والعقول القادرة على احداث الفرق.

كاتب صحفي