آخر تحديث: 17 / 4 / 2021م - 11:12 م

التعصب العرقي

محمد أحمد التاروتي *

ينطلق المتطرفون في رفض الرأي الاخر من قناعات راسخة، بوجود فوارق كثيرة وافضلية واضحة، مما يجعل التلاقي بين الطرفين غير وارد وأحيانا ”جريمة“ كبرى، وبالتالي فان الحديث عن القبول بالاخر يمثل ترفا، ولا يستند الى حقائق تاريخية على الاطلاق، الامر الذي يستدعي إعادة التوازن للوضع الطبيعي، من خلال وضع الحدود الفاصلة، وإعطاء الحقوق الطبيعية لاصحابها، نظرا لوجود الكثير من المغالطات، تكرست بواسطة ثقافة مغلوطة خلال العقود الماضية.

يحاول المتطرفون الانتصار الى القناعات بنزاهة القضية، بطرق متعددة وكثيرة، بهدف نشر هذه الثقافة في البيئة الاجتماعية، من اجل تحقيق اختراقات كبيرة لدى العديد من الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان منطق التعايش يجد قبولا، و”مباركة“ لدى السواد الأعظم، مما يجعل قضية ”التطرف“ محصورة في نطاق جغرافي محدود، الامر الذي يستدعي استقطاب اكبر عدد من المجتمع، للحصول على الدعم المادي والمعنوي، للاستمرار في قضية رفض الاخر.

بالإضافة لذلك فان التطرف بحاجة الى ثقافة ”داعمة“، لاسيما وان عملية الاستقطاب تتطلب اجراء مراجعات عميقة في الثقافة السائدة، الامر الذي يدفع باتجاه البحث في بطون الكتب، وكذلك الاعتماد على العاطفة ”العرقية“، لحشد اعداد كبيرة من المجتمع، وبالتالي فان العمل على إرساء المفاهيم الثقافية المتطرفة، تعتبر من العناصر الأساسية والتحركات الأولوية، منذ اللحظات الأولى، لاسيما وان الرفض الاجتماعي لمختلف اشكال التطرف، يشكل خطورة كبرى على استمرارية هذه الثقافة، على المدى القريب والبعيد، بمعنى اخر، فان التحرك لغسيل الدماغ الاجتماعي يمثل احدى العناصر المركزية، لدى انصار التطرف، من اجل استقطاب بعض الشرائح الاجتماعية، سواء كانت تلك الفئات الفقيرة او المتوسطة او الغنية، فالعملية مرتبطة بالقدرة على الايمان بثقافة التطرف بعيدا عن المستويات الاجتماعية.

القدرة على نشر ثقافة التطرف مرتبطة بالتوظيف الاحترافي للاحداث المفصلية، والقدرة على توجيهها بالطريقة الذكية، فالمتطرفون لا يتركون مناسبة صغيرة او كبيرة دون الاستفادة منها، بهدف احداث انقسامات في التفكير الاجتماعي، الامر الذي يتمثل في توجيه أصابع الاتهام لبعض الأطراف المناوئة، والعمل على تحريك العواطف ”الناقمة“، فيما يغذي الثقافة المتطرفة، وبالتالي فان التعامل بواقعية ووضع الأمور في النصاب الطبيعي، لا يدخل ضمن حسابات ”التطرف“، لاسيما وان مشروع التطرف يتطلب التنازل عن الجانب الأخلاقي، والتحرك وفق المبادئ الانتهازية، والعمل على إرساء قواعد اكثر تشددا، في البيئة الاجتماعية، بهدف الانتصار المستمر للجانب ”العرقي“، ورفض مختلف الدعوات الساعية، لتعزيز التماسك الداخلي.

الوضع المعيشي، والشعور بالظلم، وعدم امتلاك المواقع المتقدمة، عناصر أساسية في تعزيز التطرف في النفوس، فهناك شرائح اجتماعية تبرر العوز والفقر، بمبررات غير منطقية، حيث ترمي بالفشل على بعض الأعراق الأخرى، مما يدفعها لاتخاذ مواقف عدائية، والعمل على تكريس النفور، والتحرك للانتصار للعرق، من اجل التهرب من الاعتراف بالفشل، والعجز في الانتقال من حالة الفقر، الى ساحة الرخاء والرفاهية، وبالتالي فان النوازع النفسية تدفع لاتخاذ مواقف متطرفة، تجاه بعض الشرائح الاجتماعية، بالإضافة لذلك فان الإحساس غير المبرر بالظلم يشكل نواة، لبروز ثقافة التطرف لدى بعض الشرائح، خصوصا وان الشعور بالظلم يدفع لاتخاذ خطوات متهورة وغير عقلانية، مما يدخل المجتمع في معركة ثقافية خطيرة على المدى البعيد، جراء نشر ثقافة العداء تجاه بعض الفئات الاجتماعية، والتخلي عن التسامح ونبذ السلم الأهلي.

التطرف العرقي يشكل خطورة على البيئة الاجتماعية، نظرا لما يحدث من انقلابات كبرى، في المفاهيم الثقافية السائدة، الامر الذي يحرك النفوس باتجاه المواجهة المباشرة بين الفئات الاجتماعية، مما يدخل الجميع في انتكاسة كبرى، ويقضي على كافة المكاسب المتحققة في الحقب الماضية، جراء تنامي الانتصار للاعراق، عوضا من التركيز على رفعة العنصر البشري بالدرجة الأولى.

كاتب صحفي